برّ الوالدين… حين يصبح الدعاء آخر ما تبقّى من الوفاء
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
هناك أشياء في الحياة لا يمكن تعويضها مهما أمتلكنا من المال، ولا مهما أتسعت أمامنا الدنيا، ولا مهما كثرت الوجوه من حولنا…
وهناك أشخاص إذا رحلوا، لا يترك غيابهم فراغًا في البيت فقط، بل يتركون فراغًا في القلب لا يملؤه أحد.
إنهما الأب والأم…
أول وطن عرفناه، وأول يد أمسكت بأيدينا، وأول قلب أحبنا دون شروط، وأول حضن أحتمينا به عندما كانت الحياة بالنسبة إلينا أكبر من قدرتنا على فهمها.
الوالدان ليسا مجرد فردين في العائلة…
إنهما الجذور التي نستمد منها ثباتنا، والذاكرة الأولى التي صنعت ملامحنا، والدعاء الذي رافق خطواتنا قبل أن نعرف نحن كيف ندعو لأنفسنا.
ولهذا لم يكن برّ الوالدين مجرد خلق جميل أو سلوك إجتماعي نبيل، بل كان وصية سماوية عظيمة قرنها الله تعالى بعبادته، فقال سبحانه:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾
[العنكبوت: 8]
وقال جلّ وعلا:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
[الإسراء: 23]
وكأن الرسالة واضحة لا تحتاج إلى كثير من الشرح:
كما أن لك حقًا على والديك حين كنت ضعيفًا لا تملك لنفسك شيئًا، فإن لهما حقًا عليك حين يكبران ويحتاجان إلى كلمة، وإبتسامة، وإهتمام، ويد حانية.
كم من أم سهرت الليل ونحن نيام…
وكم من أب عاد إلى البيت متعبًا، لكنه أخفى تعبه حتى لا نشعر به…
كم مرة تنازل الأب عن شيء كان يحبه من أجل أن يوفر لنا ما نحتاجه؟
وكم مرة أخفت الأم دموعها حتى لا تخيفنا؟
كم مرة كانا يخافان علينا ونحن لا نعلم؟
وكم مرة دعونا إلى الله من أجل مستقبلنا، بينما كنا نحن غارقين في تفاصيل الحياة الصغيرة؟
لقد كبِرنا… لكنهما كانا يكبران معنا بصمت.
نحن كنا نعدّ الأيام إنتظار ًا للنجاح، وهما كانا يعدّان السنوات إنتظارًا ليرونا بخير.
نحن أنشغلنا بالدراسة والعمل والسفر والمال والأصدقاء…
وهما كان كل ما يريدانه في كثير من الأحيان:
أن نسمع صوتهما، أن نسأل عنهما، أن نجلس إلى جانبهما قليلًا، وأن نقول لهما: نحن بخير… فلا تقلقا.
يا لها من مفارقة مؤلمة!
نركض خلف الدنيا التي لا تشبع، ونؤجل زيارة من كان وجوده في حياتنا نعمة لا تُقدّر بثمن.
نؤجل الإتصال …
نؤجل الجلوس…
نؤجل الإعتذار …
نؤجل كلمة "أحبك"…
ثم يأتي يوم لا نستطيع فيه أن نفعل شيئًا سوى أن نقف أمام قبر ونقول:
ليتنا فعلنا ذلك عندما كان الوقت متاحًا.
وهنا تكمن إحدى أقسى حقائق الحياة:
أننا لا ندرك قيمة بعض النعم إلا بعد أن تصبح ذكريات.
برّ الوالدين ليس فقط أن تنفق عليهما المال.
البرّ قد يكون في نظرة حنان، وفي قبلة على الرأس، وفي سؤال صادق، وفي تحمل حديثهما، وفي خفض الصوت أمامهما، وفي ألا تشعرهما بأنهما أصبحا عبئًا عليك.
قال الله تعالى:
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾
[الإسراء: 23]
تأملوا كلمة "أُفٍّ"…
حتى هذه الكلمة الصغيرة التي قد نعتبرها عابرة، نهانا الله عنها عندما تكون في حق الوالدين.
فكيف بالصراخ؟
وكيف بالجفاء؟
وكيف بالتجاهل؟
وكيف بأن يشعر الأب أو الأم أن أبناءهما لم يعودوا بحاجة إليهما؟
أيها الابن… لا تجعل إنشغالك بالدنيا سببًا في وحشة والديك.
وأيتها الابنة… لا تتركي مكالمة أمك معلقة لأنك مشغولة.
فقد يأتي يوم تتصلين فيه أنت…
ولا يأتيك الرد.
وقد تطرق باب بيت والديك…
ولا يفتح لك أحد.
وقد تبحث عن ذلك الصوت الذي كنت تضجر منه أحيانًا…
فلا تجده.
وحينها ستفهم أن بعض الأصوات كانت نعمة متنكرة في صورة عادة يومية.
---
والبر لا ينتهي بموت الوالدين.
بل ربما يبدأ فصل آخر من الوفاء…
فإذا رحل الأب أو الأم، بقيت أبواب كثيرة للبر مفتوحة:
الدعاء لهما، والاستغفار، والصدقة عنهما، وصلة رحمهما، وإكرام أصدقائهما، وإنفاذ وصيتهما فيما هو مشروع، والمحافظة على الخير الذي علّماك إياه.
قال رسول الله ﷺ:
«إذا مات الإنسان أنقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»
رواه مسلم.
فيا من فقدت أبًا…
أدعُ له.
ويا من فقدت أمًا…
لا تنسها من صالح دعائك.
قل من قلبك:
اللهم أغفر لهما وأرحمهما، وعافهما وأعف عنهما، وأكرم نزلهما، ووسّع مدخلهما، وأجعل قبورهما روضة من رياض الجنة، وأنر لهما قبريهما، وأرفع درجاتهما في المهديين.
وإذا كان والداك ما زالا على قيد الحياة…
فلا تنتظر مناسبة.
أذهب إليهما الآن.
أتصل بهما الآن.
قبّل رأسيهما الآن.
قل لهما إنك تحبهما الآن.
فالبر لا يحتاج إلى موعد…
والحب لا يحتاج إلى مناسبة…
والإعتذار لا ينبغي أن ينتظر جنازة.
---
أيها الأصدقاء والأحبّة في الله…
قفوا لحظة مع أنفسكم.
بعيدًا عن ضجيج الهاتف، وبعيدًا عن أخبار الدنيا، وبعيدًا عن كل ما يشغلكم…
وأسألوا أنفسكم بصدق: هل بررنا بوالدينا كما يجب؟
هل أعطيناهما من وقتنا كما أعطيْنا الدنيا؟
هل سألنا عنهما دون أن نحتاج إلى شيء؟
هل قلنا لهما يومًا:
شكرًا لأنكما كنتما هنا؟
هل أحتضناهما بما يكفي؟
هل رفعنا أيدينا بالدعاء لهما؟
وإن كان أحدهما أو كلاهما قد رحل…
فهل ما زلنا نذكرهما في دعائنا؟
الحياة أقصر مما نتصور…
والسنوات تمضي بسرعة البرق…
والوجوه التي نراها اليوم قد تصبح غدًا صورًا في ألبوم الذكريات.
فلا تؤجلوا البر.
لا تقولوا: غدًا أزور أبي…
غدًا أتصل بأمي…
غدًا أجلس معهما…
فربما لا يأتي الغد.
أجعلوا والديكم يشعرون بأن وجودهما في حياتكم نعمة، لا مسؤولية.
فالمال يمكن أن يُعوّض…
والعمل يمكن أن ينتظر…
والأصدقاء يمكن أن يتغيروا…
لكن الأب والأم إذا رحلا، لا يعودان.
---
اللهم أرزقنا برّ والدينا أحياءً وأمواتًا.
اللهم من كان منهم حيًا فأطل عمره في طاعتك، وألبسه ثوب الصحة والعافية، وأسعد قلبه، وأكرم أيامه.
اللهم ومن سبقنا منهم إليك، فأجعل قبره نورًا وضياءً، وآنس وحشته، وأرحم ضعفه، وأغفر ذنبه، وأجعل الجنة داره ومستقره.
اللهم أجعلنا أبناءً صالحين لا أبناءً يكتفون بالندم بعد الفقد.
اللهم لا تجعلنا ممن يعرفون قيمة والديهم بعد أن تغلق أبواب الزيارة، وتنقطع أصواتهم، ولا يبقى منهم إلا الدعاء والذكريات.
اللهم أجعل برّنا بوالدينا شفيعًا لنا يوم نلقاك.
وأغفر لنا تقصيرنا معهم…
فكم قصّرنا ونحن لا نشعر.
وكم أنشغلنا عنهم ونحن نظن أن الوقت طويل.
وكم أجلنا لحظات كان يمكن أن تكون أجمل ذكرياتنا.
---
أبي… أمي…
إن كان بيننا وبينكما تقصير، فسامحانا.
وإن كان بيننا وبينكما بُعد، فأعذرانا.
وإن كان أحدكما قد رحل، فليس لنا إلا الدعاء.
﴿رَبِّ أرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
دعاء صغير في كلماته…
لكنه يحمل عمرًا كاملًا من الوفاء.
فطوبى لمن أدرك والديه فأكرمهما…
وطوبى لمن لم ينتظر الفقد حتى يعرف معنى البر…
وطوبى لمن جعل من والديه بابًا إلى رضا الله.
فلا تؤجلوا كلمة "أحبكما"…
فبعض الكلمات إذا تأخرت، تتحول من فرحة تُقال إلى حسرة تُبكى.
✦ أيها الأحبة… اكتبوا في التعليقات دعوة صادقة لوالديكم، أحياءً كانوا أم أمواتًا.
لعلّ دعاءً من قلبكم يصل إلى السماء…
ولعلّ ذكرى طيبة تعيد إلى قلوبنا معنى الوفاء…
ولعلنا نتعلم جميعًا أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان وراءه ليس مالًا ولا منصبًا، وإنما قلب أبٍ راضٍ، ودعوة أمٍّ صادقة.
اللهم أرحم آباءنا وأمهاتنا…
اللهم أغفر لهم كما تعبوا من أجلنا…
اللهم غجزهم عنا خير الجزاء…
وأرحم من ر
حل منهم، وأحفظ من بقي، وأجعلنا لهم كما يحبون، وأجعلهم عنا راضين.
وما رضاء الله ألا برضا الوالدين
آمين يا رب العالمين 🤲❤️
بقلم المعز غَنِـي
كاتب وإعلامي من مدينة نابل…
عاشق الترحال وروح الاكتشاف ✨
#هنا_نابل
#المعز_غني
#بر_الوالدين
#الأب
#الأم
#اللهم_ارحم_والدينا.

تعليقات
إرسال تعليق