القائمة الرئيسية

الصفحات


حين تصبح الوطنية حكرًا سياسيًا


الناصرية بين ذاكرة المشروع وصراع القرب من السلطة


إلى هؤلاء الناصريين الذين احتكروا الوطنية لأنفسهم وكل من يخالفهم في الرأي فهو غير وطني 

في تاريخهم فتحت المعتقلات على مصراعيها 

لكل التيارات الفكرية حتى أنهم قبضوا على من كان يساعدهم وهو الصحفي الكبير مصطفى أمين 

وفي صراحته المعهودة هاجمهم المفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود وفي تاريخهم حدثت هزيمة 1967 وتم احتلال سيناء كاملة 

في بداية عهدهم الذي يتشدقون فيه بالعدالة الاجتماعية تم إعدام عاملي نسيج كفر الدوار

  محمد مصطفى خميس ومحمد عبد الرحمن البقري، 

وفي هذا المقال توضيح لذلك 


: كيف تتحول الوطنية من قيمة مشتركة إلى رأسمال سياسي تحتكره جماعة، وكيف يمكن أن يصبح القرب من الدولة معيارًا للوطنية بدلًا من أن يكون الانتماء إلى الوطن حقًا مشتركًا وهذا .


ليست المشكلة في أن يحب مصريٌّ جمال عبد الناصر، ولا في أن يرى في تجربته السياسية صفحات مضيئة من تاريخ مصر. فعبد الناصر جزء من التاريخ المصري، والناصرية تيار فكري وسياسي حقيقي، ارتبط بالقومية العربية والعدالة الاجتماعية ومناهضة الاستعمار والاستقلال الوطني. 


لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي تنتقل فيها الناصرية من فكرة قابلة للنقاش إلى شهادة حصرية بالوطنية.

هنا يتغير المشهد كله.

فبدل أن يكون السؤال: ماذا قدم هذا الرجل أو هذا التيار لمصر يصبح السؤال من يملك حق الكلام باسم مصر

وهذه، في التاريخ السياسي، مسألة أخطر من مجرد اختلاف في الآراء.

من الوطنية إلى صك الوطنية

عرفت مصر، منذ قيام الجمهورية، أنماطًا مختلفة من تعريف الوطنية. وقد ارتبطت وطنية الخمسينيات والستينيات بصورة قوية بمقاومة الاستعمار والاستقلال والعدالة الاجتماعية والقومية العربية، وهي عناصر أصبحت جزءًا أساسيًا من الذاكرة الناصرية. 

 

لكن الذاكرة السياسية كثيرًا ما تفعل شيئًا غريبًا:

تحول الإنجاز التاريخي إلى ملكية سياسية.

فإذا كان عبد الناصر قد قاوم الاستعمار، صار بعض أنصاره يتعاملون مع أنفسهم باعتبارهم الورثة الطبيعيين للوطنية.

وإذا كان قد رفع شعار العدالة الاجتماعية، أصبح المختلف معهم في بعض القضايا معرضًا لأن يُتهم بأنه ضد الفقراء.

وإذا كان قد تبنى القومية العربية، أصبح المختلف معه في رؤيته للعالم العربي وكأنه ضد الأمة.

وهكذا تتحول المفاهيم الكبرى من قيم عامة إلى بطاقات عضوية.

والأخطر أن هذه العملية لا تخص الناصرية وحدها؛ إنها آلية سياسية يمكن أن تظهر في أي تيار عندما يخلط بين الفكرة والهوية الشخصية، وبين حب الوطن والولاء لجماعة تتحدث باسمه.

لماذا يحدث ذلك

لأن السياسة لا تقوم فقط على الأفكار.

إنها تقوم أيضًا على المصالح والمواقع والموارد والقدرة على الوصول إلى مؤسسات الدولة.

وقد أشارت دراسات عن الحقبة الناصرية إلى مركزية الزعامة في عملية صنع القرار، وإلى تعدد الفاعلين داخل الدولة الذين شاركوا في تشكيل السياسات الناصرية. 


وهنا نصل إلى نقطة شديدة الأهمية.

عندما تصبح الدولة هي المصدر الأكبر للمناصب والموارد والاعتراف السياسي، يصبح القرب منها مغريًا لكل التيارات.

وفي هذه اللحظة قد يظهر نوع من السياسيين لا يعيش على قوة الفكرة بقدر ما يعيش على قوة موقعه من السلطة.

فهو يرفع صوته ضد خصومه، لا لأنه يريد تهدئة المجتمع، وإنما لأن وجود الخصم نفسه يمنحه وظيفة سياسية.

وهنا تصبح المعادلة

أنا الوطني لأنني قريب من الدولة، وأنت غير الوطني لأنك مختلف عني.

وهي معادلة خطرة؛ لأنها تلغي المواطن من المشهد، وتضع مكانه معسكرين:

معسكر الوطن ومعسكر خارج الوطن


البطة البيضاء والبطة السوداء

في السياسة المصرية القديمة والجديدة، يمكن أن نجد صورة رمزية تصلح لفهم الظاهرة:

هناك من يريد أن يكون دائمًا البطة البيضاء.

كل ما يفعله صحيح.

كل ما تقوله السلطة مقبول.

وكل من يقف في الجانب الآخر يصبح «البطة السوداء».

وهنا لا يعود الخلاف سياسيًا.

إنه يتحول إلى محاكمة أخلاقية للوطنية.

فبدل أن يقول السياسي:

أنا أختلف معك في البرنامج الاقتصادي.

يقول

أنت ضد الدولة.

وبدل

لدي تحفظ على موقفك السياسي.

يصبح الخطاب:

أنت لا تحب مصر.

وبدل أن تكون المعارضة جزءًا طبيعيًا من الحياة السياسية، تتحول إلى شبهة.

وهذا النوع من الخطاب لا يقوي الدولة، بل يضعفها؛ لأن الدولة الحديثة لا تحتاج إلى مواطنين متشابهين، وإنما تحتاج إلى مواطنين مختلفين ومتساوين في حقهم في الاختلاف.

حين يصبح الخصم ضرورة

وهنا نصل إلى ظاهرة أكثر عمقًا.

بعض الجماعات السياسية لا تستطيع أن تعيش من دون خصم.

فالخصم بالنسبة إليها ليس مشكلة تريد حلها؛ بل هو جزء من تعريفها لنفسها.

فإذا اختفى الخصم، اختفى جزء من مبررات وجودها.

ولهذا يمكن أن تتحول السياسة من البحث عن حلول إلى إنتاج أعداء دائمين.

اليوم هذا التيار هو الخصم.

وغدًا ذاك.

ثم يصبح المجتمع نفسه مقسمًا إلى وطنيين ومشبوهين.

وهنا تصبح النار السياسية مفيدة لبعض اللاعبين؛ لأنها تمنحهم أهمية لا يستطيعون الحصول عليها في مجتمع هادئ.

ففي المجتمع الهادئ، يسأل المواطن السياسي:

ماذا أنجزت

أما في المجتمع المنقسم، فقد يسأله:

ضد من تقف

والسؤال الثاني أسهل كثيرًا.

الناصرية نفسها أكثر تعقيدًا من صورتها الشعبية

وهنا ينبغي أن نكون منصفين.

فليس من الدقة اختزال الناصرية في مجموعة من الأشخاص الذين يبحثون عن المناصب، كما ليس من الدقة اختزال جمال عبد الناصر في هؤلاء الذين يرفعون اسمه اليوم.

الدراسات الحديثة نفسها تتعامل مع الناصرية باعتبارها تجربة سياسية ومؤسسية معقدة، لا مجرد مجموعة شعارات. وهناك بحث أكاديمي منشور عام 2026 يدرس صعود الناصرية باعتباره تحولًا مؤسسيًا في التطور السياسي والاقتصادي لمصر.


كما أن بعض الكتابات النقدية حول التجربة الناصرية ترى أن مركزية الزعيم والقيادة السياسية تركت أثرًا كبيرًا في طبيعة النظام وآليات اتخاذ القرار. وفي المقابل، يؤكد باحثون وكتاب آخرون على جوانب الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية ومقاومة الاستعمار في التجربة. 


إذن لا يجوز أن نحاكم جمال عبد الناصر التاريخي من خلال سلوك كل من يرفع صورته اليوم.

ولا يجوز كذلك أن نمنح كل من يرفع صورته اليوم شهادة تلقائية بالوطنية.

فالتاريخ شيء، والتوظيف السياسي للتاريخ شيء آخر.

أخطر ما في احتكار الوطنية

أن الوطنية حين تصبح امتيازًا لجماعة، يفقد المواطن العادي حقه فيها.

المصري الذي يحب عبد الناصر ويدافع عنه وطني.

والمصري الذي ينتقده أيضًا وطني.

والمصري الذي يرى أن تجربته تضمنت إنجازات وأخطاء وطني.

والمصري الذي لا ينتمي إلى الناصرية أصلًا وطني.

هذه ليست مجاملة.

هذه هي أبسط قواعد الدولة الحديثة.

فالوطنية ليست حزبًا سياسيًا، ولا وظيفة حكومية، ولا تصريحًا يمنحه سياسي لسياسي آخر.

الوطنية علاقة بين الإنسان ووطنه.

ومن ثم لا يستطيع أحد أن يقول للمصري:

«أنا أحب مصر أكثر منك».

يمكنه أن يقول:

«أنا أرى مصر بطريقة مختلفة عنك».

أما احتكار الوطنية فهو بداية الطريق إلى احتكار الحقيقة.

والسلطة لا تحتاج إلى مجاذيب

الدولة القوية لا تحتاج إلى مواطنين يهتفون لها في كل لحظة.

تحتاج إلى مواطنين يستطيعون أن يقولوا لها نعم، عندما يكون الصواب نعم، ولا، عندما يكون الصواب لا.

والدولة التي لا تسمع إلا المديح تكتشف أخطاءها متأخرة.

أما الدولة التي تسمح بالاختلاف، فإنها تمتلك جهاز إنذار مبكرًا.

ومن هنا فإن أخطر خدمة يمكن أن يقدمها شخص للسلطة ليست معارضتها؛ وإنما أن يجعل السلطة تعتقد أن كل من يخالفها عدو للوطن.

لأن هذا النوع من الخطاب يعزل السلطة عن المجتمع بدل أن يقربها منه.

من «مجاذيب الزعيم» إلى مواطنين أحرار

ربما كان الوقت قد حان لكي نخرج من فكرة:

من يحب الزعيم يحب الوطن، ومن ينتقد الزعيم يكره الوطن.

هذه معادلة لا تصلح لدولة حديثة.

عبد الناصر كان رئيسًا لمصر، والناصرية تجربة تاريخية، ومصر أكبر من الرئيس وأكبر من الناصرية وأكبر من كل تياراتها السياسية.

فمصر ليست ملك الناصريين.

وليست ملك الليبراليين.

وليست ملك اليساريين.

وليست ملك الإسلاميين.

وليست ملك المؤسسة العسكرية.

مصر ملك المصريين جميعًا.

وإذا كانت الناصرية تريد أن تحتفظ بمكانها في التاريخ، فإن الطريق إلى ذلك ليس توزيع صكوك الوطنية على الناس، ولا البحث عن الخصوم، ولا تحويل الاختلاف السياسي إلى اتهام أخلاقي.

الطريق هو أن تقدم أفكارها للمجتمع، ثم تترك للمصريين حق قبولها أو رفضها.

فالأفكار العظيمة لا تحتاج إلى شرطة تحرسها.

والحقيقة لا تحتاج إلى خصم دائم كي تثبت وجودها.

أما الوطنية الحقيقية، فلا تقف على حجر أحد.

إنها تتسع للجميع.

وهنا ربما يكون السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا:

هل نريد وطنًا يكون فيه بعض المصريين أوصياء على الوطنية، أم وطنًا

 تكون فيه الوطنية حقًا متساويًا لكل مصري؟

هذا هو الفارق بين وطن تحكمه الجماعات باسم الوطنية، ووطن يحكمه القانون باسم المواطنين.

تعليقات