القائمة الرئيسية

الصفحات


كتبت هذه القصيدة في الخامس من كانون الأول 《ديسمبر》2016، 

وأعيد نشرها اليوم بعد عشر سنوات.

لم أفعل ذلك لأنني أعيش في الماضي، بل لأنني وجدت أن كثيراً مما حذرت منه بالأمس ما زال حاضراً، بل ازداد حضوراً. وما زلت أؤمن أن الأمة التي تنشغل بأمجاد ما قبل رسالتها، وتنسى أسباب وحدتها، تُعيد نفسها إلى الوراء.

هذه ليست قصيدة فحسب، بل شهادة على زمن، وصرخة في وجه زمن اختلطت فيه الحقائق بالمجاملات.


عبد العظيم كحيل 《أبو بلال》

《إلى ما قبل التاريخ عدنا》

عقولٌ طارت إلى بلقيس... صعد بعض الشعراء والأدباء والمفكرين إلى بلقيس، ملكة سبأ، وعادوا كثيراً إلى الوراء، متمنطقين بالتاريخ، يفتشون في المقابر عن مجد، ويصبغون كلامهم بألوان البلاغة حتى يخيل للسامع أنه أمام حقيقة لا تقبل النقاش.

فنعيش ما قبل حضارتنا، وما قبل ديننا، وما قبل رسولنا ﷺ.

فينيقيون... عشتروت إلهتنا. بابليون... الأنوناكي وجمع الآلهة. آشوريون... آشور إله عظيم. كنعانيون... عشتار وآلهة متعددة. وثالوث المصريين: حورس، وأوزيريس، وإيزيس. وثالوث الهنود: براهما، وشيفا، وفيشنو. والثالوث البابلي: آنو، وإيا، وبيل. والثالوث الفينيقي: إيل، وعشتار، وبعل. والثالوث الفارسي: هرمز، وميثرا، وأهرمان. والثالوث الآشوري: آشور، وتايو، ومردوخ. والثالوث السومري: إله القمر، وسيد السموات، وإله الشمس. وأخيراً... الثالوث الكاثوليكي: الأب، والابن، وروح القدس.

وغاب عنا التوحيد.

أصبح هنيبعل قائدنا، والفرعون سيدنا، وأبو جهل وأبو لهب من ساداتنا.

إلى ما قبل التاريخ عدنا.

سنونٌ ضاع فيها عزنا، وبسحر ساحر زُيِّف تاريخ أمتنا، وزُيِّفت المناهج في مدارسنا. وعدتُ أنا الطائر الفينيقي، أردد نشيد الأنانية: أنا... أنا... أنا... حتى أصبحت لعنة الأنا تسري فينا.

من أنت؟ أنا السوري، وأنت العراقي، وأنتم العرب الأقحاح! أما تذكرون أن محمداً ﷺ وصحابته خرجوا من الصحراء يحملون رسالةً جمعت القلوب بعد فرقة؟ أما تذكرون أن الله بسط عليكم رزقه، فلا تجعلوا النعمة سبباً للنسيان؟

يا أهل الصحراء... أما لكم إخوة؟ ويا أهل فلسطين... أنتم أهلنا، وأنتم إخواننا، وقدسكم قدس الأمة، وأولى القبلتين، فلا نجعلها سبباً لفرقة الأمة، بل عنواناً لوحدتها.

يا أمة الإسلام... عودي إلى رشدك، ولا تستسلمي لأعدائك، ولا لمن سار في ركابهم من أبناء جلدتك. تخرجوا من مدارسهم، وتكلموا بألسنتهم، ورفعوا شعارات الحضارة والثقافة، وأرادوا لهذه الأمة أن تفقد هويتها، وأن تصبح مسخاً.

لا... لن نكون. والله لن نكون.

وأقول لمن صعد إلى بلقيس: إن كنت ترى مستقبلك في القبور، فابقَ عند قبرها ومضجعها. أما نحن، فلن نبني مستقبلنا إلا بما نؤمن أنه الحق. سنواجه الفكرة بالفكرة، والحجة بالحجة، ولن نتخلى عن هويتنا.

صبراً يا إخوتي... فما نهضت أمة إلا حين عرفت نفسها، وتمسكت بمبادئها، وجعلت الحق فوق العصبية، والعدل فوق الهوى.

ولنا في التاريخ شواهد... رجال أعزوا أمتهم، وتركوا للأجيال مواقف تُذكر، وبقيت الخيانة عاراً على أصحابها.


-عبد العظيم كحيل 

《أبو بلال》

طرابلس – لبنان


تعليقات