القائمة الرئيسية

الصفحات

ثورة 23 يوليو... الفجر الذي ولدت فيه مصر الحديثة


✍🏻بقلم #مي_جوهر 


في فجر 23 يوليو عام 1952، لم تكن نسمة النيل الباردة التي تهب على ضفاف القاهرة تحمل رائحة الياسمين الصيفي فقط! بل حملت صوتاً جديداً غير مجرى تاريخ أمة، صوت استعادة الكرامة بعد سنوات طويلة من الذل، صوت تحرير الأرض بعد سنين من الاحتلال، صوت عدالة بعد قرون من الظلم والاستغلال.


 في ذلك الفجر لم يولد فقط نظام حكم جديد، بل ولدت مصر الحديثة التي نعيشها اليوم، بكل ما تحمله كلمة «مصر» من عزة وكرامة وسيادة.


قبل ذلك الفجر، كانت مصر تعيش تحت نير مزدوج لم يترك لشعبها فرصة للتنفس، نير الاحتلال البريطاني الذي جثم على أرضها لأكثر من سبعين عاماً، ينهب ثرواتها من القطن والمعادن، ويتحكم في قرارها السيادي، ولا يترك للمصريين حق تقرير مصيرهم. 


ونير حكم الملكية الفاسد الذي تحالف مع الاستعمار وكبار الإقطاع المنتفعين، فامتص ثروات الشعب، وترك الغالبية العظمى من المصريين يعيشون في فقر شديد بلا تعليم ولا رعاية صحية ولا حتى حق في الأرض التي يزرعونها منذ أجيال. 


كانت كل محاولات التغيير التي قادها أبناء الوطن من ثورة 1919 الزعيم سعد زغلول وحتى الحركات الوطنية المتتالية تصطدم بتحالف القوى الأجنبية والمنتفعين المحليين، حتى جاء فجر يوليو ليحسم المعركة لصالح الشعب.


لم تكن ثورة 23 يوليو مجرد انقلاب عسكري قادته مجموعة من الضباط الشباب المنتمين لحركة الضباط الأحرار، بل كانت تتويجاً لسنوات من الكفاح الوطني، كانت ثورة الشعب المصري بأكمله الذي طالما انتظر فرصته لاستعادة وطنه. 


وفي غضون أيام قليلة، نجحت الثورة في إسقاط النظام الملكي الفاسد، وبدأت خطوات حاسمة لطرد المحتل البريطاني من أرض مصر، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من البناء الوطني لم يسبق لها مثيل في التاريخ المصري الحديث.


ما قدمته ثورة 23 يوليو لمصر لا يمكن حصره في سطور، فهي التي أرست قواعد العدالة الاجتماعية من خلال إصلاح الأراضي الذي كسر هيمنة كبار الإقطاع على الأرض والاقتصاد، ووزع الثروة على ملايين الفلاحين المصريين الذين كانوا يعملون أجراء في أراضي أجدادهم.


 وهي التي أطلقت عجلة التصنيع الوطني، وبنت مشروعات قومية عظيمة لا تزال تنفع مصر حتى اليوم كالسد العالي الذي أنقذ البلاد من الجفاف والفيضانات، وافتتح آلاف المدارس والمستشفيات التي جعلت الخدمات الأساسية في متناول كل مصري، بغض النظر عن طبقته الاجتماعية.


 وهي التي رفعت رأس مصر عالياً في المحافل الدولية، وجعلت منها صوتاً قوياً للدول النامية وحركات التحرر في جميع أنحاء العالم، وأثبتت للعالم أجمع أن الشعب المصري قادر على حكم نفسه وبناء وطنه بيده.


وحتى اليوم، بعد مرور أكثر من سبعين عاماً على ذلك الفجر المجيد، تظل ثورة 23 يوليو علامة مضيئة في ضمير كل مصري، تذكرنا دوماً أن هذا الشعب لا يقبل الذل، ولا يتنازل عن حقه في الحرية والكرامة والسيادة.


 تذكرنا أن التغيير الحقيقي يأتي عندما تتحد إرادة الشعب حول هدف واحد ألا وهو رفعة الوطن. 


كل خطوة نخطوها اليوم نحو التقدم والازدهار، هي خطوة تبني على الأساس المتين الذي وضعه أولئك الشباب الأحرار في فجر يوليو 1952.


في هذه الذكرى المجيدة، نحني رأسنا إجلالاً لكل من ضحى من أجل هذه الثورة، لكل من سعى لرفعة مصر عبر العصور، ونتوجه بأحر التهاني والتبريكات إلى شعب مصر العظيم في كل مكان. 


ونسأل الله أن يحفظ مصر أمنة مستقرة مزدهرة، أن يواصلنا على طريق العزة والتقدم الذي بدأه فجر 23 يوليو، وكل عام ومصر وشعبها بخير.

تعليقات