![]() |
يمثل ميناء جيبوتي الرئة البحرية الوحيدة تقريبًا للاقتصاد الإثيوبي، إذ تمر من خلاله النسبة الأكبر من التجارة الخارجية لإثيوبيا منذ أن أصبحت دولة حبيسة بلا منفذ بحري. ومن ثم فإن مجرد افتراض إغلاق هذا الميناء في وجه إثيوبيا، سواء كان كليًا أو جزئيًا أو حتى مؤقتًا، يفتح الباب أمام أزمة اقتصادية عميقة تتجاوز حدود النقل والتجارة إلى بنية الدولة الاقتصادية والاجتماعية ذاتها.
إغلاق ميناء جيبوتي يعني عمليًا شلل حركة الواردات والصادرات، وهو ما ينعكس فورًا على توافر السلع الأساسية داخل السوق الإثيوبي، وفي مقدمتها الوقود والقمح والأدوية والمواد الخام اللازمة للصناعة. هذا التعطل لا يقتصر أثره على نقص السلع، بل يمتد إلى ارتفاع حاد في الأسعار، وزيادة الضغوط التضخمية، وتآكل القوة الشرائية للمواطن الإثيوبي، في وقت تعاني فيه البلاد بالفعل من أزمات معيشية متراكمة.
كما أن فقدان الممر الرئيسي للتجارة سيجبر إثيوبيا على البحث عن بدائل لوجستية أكثر بعدًا وتعقيدًا عبر موانئ دول الجوار، وهو ما يرفع تكاليف النقل ويطيل زمن الشحن ويضعف القدرة التنافسية للمنتجات الإثيوبية في الأسواق العالمية. وفي ظل اقتصاد يعتمد بشكل متزايد على التصدير لجذب العملة الصعبة، فإن هذا السيناريو يهدد بتقليص الصادرات وزيادة العجز في الميزان التجاري، بما يفاقم أزمة النقد الأجنبي.
القطاع الصناعي الإثيوبي سيكون من أكثر القطاعات تضررًا، خاصة المناطق الصناعية التي رُوج لها باعتبارها ركيزة التنمية وجذب الاستثمار الأجنبي. تعطّل سلاسل الإمداد سيؤدي إلى توقف المصانع أو خفض طاقتها الإنتاجية، وتسريح العمالة، وهروب الاستثمارات التي لا تحتمل بيئة غير مستقرة لوجستيًا. ومع تراجع الإنتاج والصادرات، تتعرض العملة الإثيوبية لضغوط حادة، ويزداد العبء على الدولة في الوفاء بالتزاماتها المالية والديون الخارجية.
ولا تقف تداعيات هذا السيناريو عند الحدود الإثيوبية، بل تمتد إلى الإقليم بأكمله. فجيبوتي تعتمد بشكل كبير على إثيوبيا كمصدر رئيسي لإيرادات الموانئ والخدمات اللوجستية، وأي قطيعة أو توتر طويل الأمد سيُلحق خسائر متبادلة ويعيد تشكيل موازين القوى والتحالفات في منطقة القرن الأفريقي، التي تشهد أصلًا تنافسًا دوليًا وإقليميًا محتدمًا.
يكشف سيناريو إغلاق ميناء جيبوتي في وجه إثيوبيا عن هشاشة الاعتماد المطلق على منفذ واحد، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الدولة الإثيوبية كقوة إقليمية صاعدة دون امتلاك بدائل استراتيجية آمنة للوصول إلى البحر. إنها ليست أزمة ممر تجاري فحسب، بل اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد الإثيوبي على الصمود في وجه الجغرافيا والسياسة معًا.

تعليقات
إرسال تعليق