ما نراه اليوم في مجتمعنا لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح مشهدًا مقلقًا يستحق الوقوف أمامه بصدق وحسم.
هياكل وكيانات ومسميات غريبة، ألقاب تُمنح للنفس بلا أصل ولا فصل، ولا علم ولا معرفة، وكأن الشهرة صارت بديلًا عن الجهد، والاستعراض بديلًا عن الكفاءة.
نفتح صفحات التواصل الاجتماعي فنجد “خبيرًا” لم يدرس، و“مستشارًا” بلا خبرة، و“دكتورًا” لم يدخل جامعة، و“إعلاميًا” لا يعرف من الإعلام إلا الكاميرا، وأدوارًا تُوزَّع على من هبّ ودبّ، بلا ضابط ولا وعي.
ألقاب زائفة تُستخدم للاستقطاب والتأثير والتشهير أحيانًا، وتتحول إلى وسيلة للضحك والهراء، بل وللتضليل.
الأخطر من ذلك، أن هذه المسميات المزيفة تخاطب عقول الشباب والبنات، وتُقدَّم لهم كنماذج نجاح، بينما هي في حقيقتها فراغ مغلف بالكلام.
لا علم، لا ثقافة، لا دراسة قانون ولا اجتماع ولا وعي، فقط اسم كبير وصورة وضحكة ومحتوى لا يسمن ولا يغني من جوع.
هل هكذا يُبنى الوعي؟
هل هكذا تُصنع القدوة؟
وهل أصبح الوطن ساحة مفتوحة لمن يطلق على نفسه ما يشاء دون حساب؟
إن ما نعيشه اليوم هو نوع من انفصام الشخصية المجتمعية؛ نرفض الزيف في الكلام، ونصفق له على الشاشات. نطالب بالوعي، ونمنح المنابر لغير أهله.
وهنا تأتي المسؤولية: مسؤولية المتعلم، والمثقف، والإعلامي الحقيقي، في كشف الزيف لا الترويج له، وفي حماية العقول لا خداعها.
نحن بحاجة إلى وقفة صريحة، لا ضد الأشخاص، بل ضد الظاهرة.
ضد الألقاب الكاذبة، وضد تحويل الشهرة إلى مهنة، وضد استسهال الخداع باسم الحرية.
فالوطن لا يُخدم بالمسميات، بل بالفعل، ولا يُبنى بالضجيج، بل بالعلم والصدق والعمل.
وغير ذلك… فهو مؤسف، وخطير، ويستحق أن يُقال عنه: كفى.
تعليقات
إرسال تعليق