نعيش زمناً تتقزّم فيه الأحلام إلى ضروراتٍ عاجلة، فيذبل السؤال الكبير الذي يفتح أبواب الحضارة. وبينما أممٌ أخرى تمضي بخطى واثقة نحو الابتكار، ندرك أن الفارق ليس في الذكاء وحده، بل في وضوح البوصلة: زمن يُحترم، عمل يُتقن، وأثر صغير يتراكم حتى يغدو واقعًا كبيرًا.
قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم يضع مفتاح التحوّل في اليد، لا في الانتظار. التغيير ليس ومضة خطابية، بل إعادةُ بناءٍ للعقل والعادة: أن تُهذَّب الفوضى، ويُستعاد للوقت هيبته، ويُصبح الإتقان لغةً يومية لا تُفرض بالقوانين بل تُغرس في التربية والضمير.
وحديث النبي كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته يردّ المسؤولية إلى الدائرة القريبة: نفسك، بيتك، عملك. المسؤولية هنا ليست عبئًا، بل نظام حياة: وعدٌ يُنجز، كلمةٌ تُصاغ بصدق، مهمةٌ تُنفَّذ بلا ترخُّص، ومعرفةٌ تُطلَب حيث الحاجة لا حيث الضجيج. وحين يتكرّر هذا النمط، تتبدّل ملامح المجتمع من تحت، فيعلو الفعل على القول، ويذوب اليأس لأن الواقع يبدأ أخيرًا في الردّ.
العيب فينا ليس قدَرًا يُستسلم له، بل خللٌ في ترتيب ما يستحق التقديم وما يُؤخَّر. الإصلاح لا يحتاج صخبًا ولا شعارات، بل عينًا ترى البعيد من خلال القريب: دقيقةٌ مُحكمة، حرفٌ مُتقَن، وعملٌ يزهد في التصفيق ويطلب أثره في الوجود. ومن هنا يولد معنى النهضة: أن نعيد للزمن هيبته، وللحرفة حرمتها، وللوعد قيمته؛ فإذا استقام هذا الثلاثي، انفتحت الأبواب التي ظنناها مغلقة، وصار الغد ثمرة وعيٍ تحوّل إلى فعلٍ صابر لا يعرف الاستسلام.
قلم الأستاذة خديجة آلاء شريف
الجزائر
تعليقات
إرسال تعليق