القائمة الرئيسية

الصفحات

دموع الخشوع

العين حين تفيض بالدمع، ليست مجرد قطراتٍ تنحدر على وجنةٍ ساكنة، بل هي رسائل صامتة يكتبها القلب حين يخشع، ويوقّعها العقل حين يذعن، وتُترجمها الروح حين تذوب في نور الرضا. تلك الدموع ليست ضعفاً ولا هزيمة، بل هي شهادة حياة، ودليل صدق، وعلامة على قلبٍ ما زال نابضاً بالرحمة، وما زال يعرف طريقه إلى الله.  

النفس الراضية، حين تشبع بالقناعة، لا تبحث عن زخارف الدنيا ولا عن سرابها، بل تكتفي بما قسم الله، وتجد في العلم النافع قوتها، وفي الذكر دواءها، وفي الصلاة جناحها الذي يرفعها من تراب الأرض إلى صفاء السماء. فكيف لدعاءٍ يخرج من قلبٍ منكسر أن يُحجب؟ وكيف لصلواتٍ محمولة على أجنحة الخشوع ألا تُرفع؟  

إنني أحمد الله أنني من الذين تهطل دموعهم كثيراً، دموعٌ لا تعرف الزيف، ولا تتزيّن بالتصنّع، بل تنهمر كما المطر، لتغسل ما تراكم من غبار الأيام على الروح، وتفتح أبواباً من الصفاء لم تكن لتُفتح بغيرها. دموعي هي زادي في الطريق، وهي نهرٌ يروي عطش القلب، وهي جسرٌ يصلني بالسماء حين تضيق الأرض بما رحبت.  

كل دمعةٍ تحمل سراً، كل قطرةٍ تكتب حكاية، كل انسكابٍ منها يترك في داخلي أثراً لا يزول. إنها دموعٌ تُعلّمني أن الإنسان لا يسمو إلا حين يخضع، ولا يصفو إلا حين يذوب في لحظة صدقٍ مع خالقه. هي دموعٌ تُعيدني إلى حقيقتي، وتذكّرني أن الطهر لا يُنال إلا باللين، وأن العلو لا يُدرك إلا بالخشوع.  

فيا لنعمة الدموع حين تكون سبيلًا إلى الطهر، ويا لنعمة الصلاة حين تكون جناحًا إلى العلو، ويا لنعمة الدعاء حين يكون وعدًا بالقبول. إنني أعيش بين هذه النعم، وأحيا بها، وأجد فيها عزائي وسلوتي، وأشهد بها أن القلب الذي يخشع لا يموت، وأن النفس التي ترضى لا تضل، وأن العلم الذي ينفع لا يزول.

قلم الأستاذة خديجة آلاء شريف 
الجزائر 
03/01/2026

تعليقات