القائمة الرئيسية

الصفحات

...دهشة البياض...

      في أعوام مضت، كنا نستيقظ على دهشةٍ بيضاء، لا يسبقها إنذار ولا يرافقها توقّع. نفتح النوافذ فنجد الطرقات وقد ارتدت ثوباً ناصعاً، والأحياء وقد غمرها صمت الثلج، كأنها عوالم أخرى لا تشبه ما تركناه بالأمس. نخرج بخطواتٍ صغيرة نحو المدرسة، والفرح يسبقنا، والبراءة تملأ قلوبنا، فنلعب ونتقاذف كرات الثلج، ونصنع في الساحة رجلاً من بياضٍ نقي، نضحك حوله وننافس بعضنا على تكوير أكبر كرة، كأننا نريد أن نثبت للثلج أننا قادرون على مجاراته في حجمه وعظمته.
     كانت تلك المفاجآت الصباحية تحمل معنى الطهر، معنى النقاء، معنى أن الجمال لا يحتاج إلى إعلان مسبق ولا إلى نشرات جوية تُرهقنا بتفاصيلها. كان الثلج يأتي كضيفٍ كريم، يطرق أبوابنا بلا موعد، ويزرع فينا الدهشة بلا إذن، ويعلّمنا أن أجمل اللحظات هي تلك التي لا نتوقعها، ولا نرتّب لها، ولا نُكثر من السؤال عنها.
     واليوم، غابت الثلوج عن ديارنا، كأنها اختارت الغياب لتقول لنا: "دعوني أزوركم حين أشاء، لا تفضحوا حضوري ولا تقتلوا دهشتي بتنبؤاتكم الباردة. أحب أن أكون مفاجأةً، أحب أن أرى انبهاركم صغاراً وكباراً، أحب أن أكون سرّاً بين السماء والأرض." لكننا أرهقناها بنشراتٍ يومية، بتوقّعاتٍ لا تنتهي، بجرأةٍ على الغيب لا تليق بنا، فخذلتنا، أو لعل الله غضب من كثرة تجرّؤنا، فحجب عنّا تلك الزيارات التي كانت تزرع في قلوبنا الفرح.
      إنها رسالة الثلج لنا اتركوا الأمور إلى الله، لا تُكثروا من نشراتكم التافهة، ولا تظنوا أنكم قادرون على التحكم في أسرار الكون. فالجمال لا يُستدرج، والدهشة لا تُستعار، والبياض لا يُستجدى. إنما هي هبةٌ من الله، يرسلها حين يشاء، ليذكّرنا أن الحياة ليست حسابات دقيقة، بل لحظات عابرة، مفاجآت صغيرة، زيارات بيضاء، تترك في القلب أثراً لا يُمحى.

قلم الأستاذة خديجة آلاء شريف 
الجزائر 
25/12/2025

تعليقات