في الحياة لحظات يثقل فيها القلب بما لا يطيق، وتضيق فيها الصدور حتى تكاد تنطفئ أنوارها، فنبحث عن يدٍ تمتد إلينا أو عن بلسم يخفّف وجعنا. وليس الدواء دائمًا في قارورةٍ أو وصفةٍ يخطّها طبيب، بل قد يكون في كلمةٍ صادقةٍ تنبع من قلبٍ طاهر، أو عبارةٍ رقيقةٍ تُسكب في أذنٍ متعبة فتستحيل عزاءً وسلوى.
الكلمات الطيبة ليست مجرد أصواتٍ عابرة، بل هي أرواحٌ تتنقّل بين الأفواه والقلوب، تحمل معها نورًا يبدّد العتمة، ودفئًا يذيب جليد الوحدة، وقوةً تعيد للإنسان ثقته بنفسه حين يوشك أن ينهار. إنّها أشبه بيدٍ خفيةٍ تربّت على كتفك، أو نسمةٍ رقيقةٍ تلامس وجهك في قيظ الهموم، فتذكّرك أنّك لست وحدك في هذا العالم، وأنّ هناك من يراك بعين الرحمة ويخاطبك بلسان المحبة.
ما أعجب أن يكون بعض الناس أطباء بلا شهادات، ومعالجين بلا عيادات، يملكون سرّ التسكين بالكلمة، ويعرفون كيف يزرعون الأمل في أرضٍ قاحلة، وكيف يوقظون فيك طاقةً كنت تظنها قد خمدت. هؤلاء لا يدرسون علم التشريح ولا يكتبون وصفاتٍ دوائية، لكنهم يملكون علمًا أعمق: علم القلوب، وفن الإصغاء، وحكمة العاطفة الصادقة.
الكلمة الطيبة قد تغيّر مسار يومك، وقد تنقذك من هاويةٍ كنت على وشك السقوط فيها، وقد تعيدك إلى نفسك حين تضلّ الطريق. هي ليست مجرد حروفٍ تُقال، بل هي عهدٌ بالإنسانية، ورسالةٌ بأن الخير ما زال حيّا في النفوس. وما أجمل أن نكون نحن أيضًا من هؤلاء الذين يداوون بالكلمة، فيكون لساننا جسرًا إلى الطمأنينة، وقلمنا نافذةً على الرجاء، وصوتنا موسيقى تُسكب في الأرواح فتنعشها.
فلله درّ كل من يعالج بالكلمات الطيبة، ويجعل من حديثه دواءً، ومن عباراته مسكنًا، ومن حضوره شفاءً. هؤلاء هم الأطباء الحقيقيون للأرواح، الذين يتركون أثرًا لا يُمحى، ويُضيئون دروبًا لا تنطفئ، ويثبتون أنّ الكلمة حين تُقال بصدقٍ وإخلاص، تصبح أعظم من أي علاجٍ مادي، وأبقى من أي وصفةٍ زمنية .
قلم الأستاذة خديجة آلاء شريف
25/12/2025
تعليقات
إرسال تعليق