القائمة الرئيسية

الصفحات

ذكرى السابع من نوفمبر... محطة فارقة في تاريخ تونس، بين وعود البدايات ودروس النهايات ...!

  هنا نابل 💬 بقلم المعز غَنِـي



[ ليست كل التواريخ التي تمرّ في حياة الأوطان مجرد أرقام في صفحات التقويم، فبعض الأيام تتحوّل إلى محطات تاريخية تختزن في ذاكرتها أحلام الشعوب، وآمال الأجيال، وخيبات التجارب، ودروس السلطة والحكم... والسابع من نوفمبر واحد من تلك التواريخ التي لا يمكن المرور عليها دون أستحضار ما حملته من أحداث وتحولات في تاريخ تونس المعاصر.


في مثل هذا اليوم، السابع من نوفمبر سنة 1987، عاشت تونس حدثاً سياسياً مفصلياً تمثّل في إنهاء حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، وتولّي الوزير الأول آنذاك زين العابدين بن علي رئاسة الجمهورية، في ما عُرف رسمياً بـ«التحوّل المبارك».


كان ذلك اليوم بداية مرحلة جديدة في تاريخ البلاد، وحدثاً إستثنائياً أستقطب إهتمام التونسيين، وفتح أمامهم أبواب التساؤل والتطلّع إلى مستقبل مختلف.

يومها، كانت تونس تعيش حالة من الترقّب، وكانت النفوس تتأرجح بين الأمل في التغيير والخشية من المجهول. 

فهناك من رأى في التحوّل فرصة تاريخية لإنقاذ البلاد من أزمتها السياسية والمؤسساتية، وهناك من أعتبره بداية عهد جديد يحمل وعود الإصلاح والتجديد والاستقرار.


كانت الشعارات كبيرة، والوعود أكبر، وكانت تطلعات التونسيين تتجه نحو بناء دولة عصرية، تتسع للجميع، وتضمن الكرامة والعدالة الإجتماعية، وتفتح أبواب المستقبل أمام الشباب، وتمنح المواطن حقه في العيش الكريم والمشاركة في بناء وطنه.


■ سنوات البدايات... حين كان الأمل يسبق الأسئلة ...!

لا يمكن من باب الإنصاف التاريخي، أن نتناول تلك المرحلة دون الإشارة إلى ما شهدته تونس خلال سنواتها الأولى من تحولات أقتصادية وأجتماعية وتنموية، وما تحقق في مجالات البنية التحتية والتعليم والصحة والسكن وتطوير الخدمات.

لقد عرف البلد خلال تلك الفترة مظاهر أستقرار ونشاط أقتصادي، وشهدت عديد المناطق توسعاً عمرانياً وتحسناً في بعض المؤشرات الإجتماعية، كما تعلّق جزء من التونسيين بأمل أن تكون تلك المرحلة جسراً نحو مستقبل أكثر أزدهاراً.

كانت هناك أحلام، وكانت هناك إنجازات يتحدث عنها أنصار تلك الحقبة، وكانت هناك أيضاً إنتظارات شعبية واسعة لمزيد من الإصلاح والإنفتاح وتكافؤ الفرص.

لكن التاريخ لا يُكتب بالانطباعات وحدها، ولا تُقاس التجارب السياسية بما ترفعه من شعارات، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس، وبمدى أحترامها لحقوقهم وحرياتهم وكرامتهم.


■ حين يتراجع الإصلاح... تبدأ ملامح الأزمة ...!■ 

مع مرور السنوات، بدأت الصورة تتغير، وظهرت تناقضات عميقة بين الوعود الأولى وواقع الحياة السياسية.

فقد أتّسعت دائرة التضييق على الحريات، وتراجع هامش الإختلاف، وأصبحت السلطة أكثر إنغلاقاً، فيما تصاعدت الانتقادات بشأن الفساد والمحسوبية وغياب تكافؤ الفرص، وتزايد الشعور لدى شرائح واسعة من المجتمع بأن الدولة لم تعد تستجيب بما يكفي لتطلعات مواطنيها.

وهنا تكمن إحدى أعظم مفارقات التاريخ السياسي: أن العهد الذي يبدأ بوعود الإصلاح قد ينتهي بأزمة ثقة عميقة، وأن الإنجازات مهما كانت مهمة لا تستطيع وحدها أن تعوّض غياب الحرية والعدالة والمساءلة.

فالدولة ليست طرقات وجسوراً ومباني ومشاريع فقط، بل هي قبل كل شيء مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وإدارة عادلة، وحقوق مصانة، ومواطن يشعر بأنه شريك في وطنه لا مجرد متفرج على قرارات تُتخذ باسمه.


■ 14 جانفي 2011... حين قال الشعب كلمته ...!■

ثم جاءت اللحظة الفارقة.


في 17 ديسمبر 2010، أنطلقت شرارة الاحتجاجات من سيدي بوزيد، إثر حادثة الشاب محمد البوعزيزي، لتتسع رقعة الاحتجاجات وتنتشر في مختلف أنحاء البلاد، حاملة مطالب الشغل والحرية والكرامة الوطنية.

لم تكن تلك التحركات مجرد أحتياجات عابرة، بل كانت تعبيراً عن تراكم طويل من الإحباطات الإجتماعية والسياسية، وعن رغبة شعبية في أستعادت الكرامة والحق في تقرير المصير.


وفي الرابع عشر من جانفي 2011، غادر الرئيس زين العابدين بن علي تونس متوجهاً إلى المملكة العربية السعودية، لتُطوى بذلك صفحة حكم أمتد لأكثر من عقدين.

لقد كان ذلك اليوم لحظة فارقة في تاريخ تونس، ليس فقط بسبب مغادرة رئيس البلاد، بل لأنه كشف حقيقة أساسية: أن شرعية الحكم لا تستمد من طول البقاء في السلطة، ولا من كثرة الشعارات، وإنما من ثقة الشعب وأحترام إرادته وحقوقه.


ورحل بن علي في السعودية يوم 19 سبتمبر 2019، بعد سنوات قضاها بعيداً عن وطنه، تاركاً وراءه تجربة سياسية لا تزال محل أختلاف في التقييم والقراءة بين التونسيين.


■ السابع من نوفمبر... ذكرى أم درس من دروس التاريخ؟■ 

اليوم، ونحن نستحضر الذكرى التاسعة والثلاثين للسابع من نوفمبر 1987، لا ينبغي أن يتحول هذا التاريخ إلى مناسبة للمزايدات أو لتصفية الحسابات السياسية، كما لا ينبغي أن يكون مناسبة لتجميل الماضي أو إنكار أخطائه.

فالتاريخ ملك للأجيال، وليس ملكاً للحكام أو الأحزاب أو التيارات السياسية.

هناك من يتذكر السابع من نوفمبر بإعتباره يوم تغيير أنقذ البلاد من وضع صعب، وهناك من يستحضر ما رافقه من آمال تنموية وأستقرار إجتماعي، وهناك من يراه بداية مرحلة أنتهت بتضييق الحريات وتراكم التجاوزات، فيما يعتبره آخرون محطة كشفت كيف يمكن للسلطة أن تبتعد تدريجياً عن إنتظارات الشعب.


ولعل الحقيقة التاريخية الأهم أن لكل مرحلة إيجابياتها وسلبياتها، وأن القراءة الموضوعية لا تقوم على التقديس المطلق ولا على الإدانة المطلقة، وإنما على الإعتراف بما تحقق، ومساءلة ما أخفق، وأستخلاص العبر من التجربة برمتها.

فليس من الحكمة أن نمحو إنجازات الماضي لمجرد الإختلاف مع من حكموا، كما ليس من الإنصاف أن نتغاضى عن الأخطاء والتجاوزات بحجة ما تحقق من تنمية أو أستقرار.


■ العبرة ليست بمن يحكم... بل بكيفية الحكم ...!■ 

إن الأوطان أكبر من الأشخاص، والدول أبقى من الأنظمة، والتاريخ لا يتوقف عند رحيل رئيس أو صعود آخر.

كم من حاكم دخل التاريخ من أبواب واسعة، ثم غادره من أبواب ضيقة.. !، وكم من سلطة أعتقدت أن الزمن سيقف عند حدودها، فإذا بها تكتشف أن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها لا تتنازل عن أحلامها إلى الأبد.

إن الحكم مسؤولية وأمانة، وليس أمتيازاً شخصياً أو ملكية خاصة. 

والسلطة الحقيقية ليست في أمتلاك أدوات القرار، بل في القدرة على خدمة الناس، والإستماع إلى آلامهم، وإحترام إختلافهم، ومحاسبة كل من يخطئ مهما كان موقعه.

كما أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالخوف، ولا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما يقوم على العدل والمساواة وإحترام القانون، وعلى مؤسسات تضمن أستمرارية الدولة وتحمي حقوق المواطن.


■رسالة إلى الأجيال القادمة...■

يا أبناء تونس، لا تجعلوا أختلافكم حول الماضي سبباً للانقسام والعداء، ولا تسمحوا للذاكرة السياسية أن تتحول إلى جدار يفصل بين أبناء الوطن الواحد.

تعلموا من التاريخ، أقرأوا الأحداث بعقول مفتوحة، ولا تصدقوا أن كل ما في الماضي كان جميلاً، أو أن كل ما فيه كان مظلماً.

فالوطن لا يحتاج إلى مواطنين يصفقون للماضي دون تفكير، ولا إلى آخرين يرفضونه دون إنصاف، بل يحتاج إلى عقول ناقدة، وضمائر حية، وأجيال تعرف قيمة الحرية، وتحترم مؤسسات الدولة، وتؤمن بأن الاختلاف لا يفسد الانتماء.

إن تونس التي نحلم بها ليست تونس الأشخاص والمناصب، بل تونس المؤسسات والحقوق والواجبات، تونس العدالة الإجتماعية، وتكافؤ الفرص، والكرامة الإنسانية، وتونس التي لا يُقصى فيها أحد بسبب رأيه أو موقفه أو إنتمائه.


وفي الختام...

سيبقى السابع من نوفمبر صفحة بارزة في كتاب تاريخ تونس، مهما أختلفت القراءات وتباينت المواقف.

إنها ذكرى تستحق التأمل، لا لاستعادة صراعات الماضي، بل لفهم الحاضر وأستشراف المستقبل.

فقد علّمتنا تجربة السابع من نوفمبر، وما تلاها من أحداث وصولاً إلى الرابع عشر من جانفي 2011، أن البدايات مهما كانت واعدة لا تضمن النهايات، وأن الإنجازات لا تكتمل إلا بالحريات، وأن السلطة مهما أمتد بها الزمن تظل عابرة، بينما يبقى الوطن.


الحكام يرحلون، والأنظمة تتغير، والأسماء تُطوى من صفحات السلطة، لكن تونس تبقى... ويبقى شعبها صاحب الحق الأول والأخير في وطنه.

ولعل أبلغ درس يمكن أن نخرج به من هذه المحطة التاريخية هو أن بناء الأوطان لا يكون بتعظيم الأشخاص، ولا بتخوين المخالفين، ولا بتقديس التجارب السياسية، وإنما بالصدق في خدمة الشعب، والعدل بين المواطنين، وإحترام القانون، وصيانة الحريات والكرامة الإنسانية.


فلا خير في سلطة تخاف من صوت المواطن، ولا مستقبل لوطن يُهمّش فيه أبناؤه، ولا أستقرار يدوم دون عدالة.


عاشت تونس حرة، عزيزة، آمنة، شامخة بأبنائها، وفية لتاريخها، متطلعة إلى مستقبل أفضل...


 هنا نابل 💬 بقلم المعز غَنِـي

*كاتب وإعلامي من مدينة نابل، عاشق الترحال وروح الاكتشاف.*


أنت الان في اول موضوع

تعليقات