لم يعد المشهد السياسي الإسرائيلي مجرد صراع تقليدي على السلطة، بل بات يعكس أزمة سياسية عميقة تضرب حكومة بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، في توقيت بالغ الحساسية، وسط تصاعد الضغوط الداخلية وتزايد المخاوف من فقدان السيطرة على المشهد السياسي.
وفي هجوم لاذع، وصفت صحيفة «هآرتس» خطاب نتنياهو الأخير بأنه أقرب إلى الانهيار الكامل، معتبرة أن حديثه عن الوحدة الوطنية لا يظهر إلا عندما يشعر بأن السيف بات على رقبته، وأن خسارة الحكم أصبحت أقرب من أي وقت مضى. كما انتقدت استحضاره سيناريوهات مرعبة كلما شعر بأن كرسي الحكم يهتز تحته.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت يواجه فيه نتنياهو تطورًا سياسيًا بالغ الخطورة، بعدما أعلن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ عزمه تكليف غادي آيزنكوت، زعيم حزب «يشار» وأحد أبرز خصوم نتنياهو السياسيين، بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، في خطوة تمثل ضربة سياسية موجعة لرئيس الوزراء الذي بات مستقبله على رأس السلطة مهددًا بصورة غير مسبوقة.
ووفقًا للإعلان الصادر عن الرئاسة الإسرائيلية، حصل آيزنكوت على توصية 67 عضوًا بالكنيست لتشكيل الحكومة، مقابل 46 عضوًا أوصوا بتكليف نتنياهو، بينما امتنع سبعة أعضاء عن تأييد أي مرشح. ومن المقرر أن يتسلم آيزنكوت رسميًا مهمة تشكيل الحكومة في الثامن من نوفمبر 2026.
وهنا تتكشف أبعاد الأزمة بصورة أكثر وضوحًا؛ فالرجل الذي اعتاد أن يقدم نفسه باعتباره السياسي الأقوى والأكثر قدرة على إدارة إسرائيل، يجد نفسه اليوم أمام منافس يسعى إلى انتزاع السلطة منه، وسط حسابات سياسية معقدة ومفاوضات لتشكيل حكومة جديدة.
ومن الطبيعي أن يمثل هذا التطور مصدر ضغط سياسي بالغ على نتنياهو وحكومته، وأن يثير غضب معسكره السياسي، خاصة أن تكليف آيزنكوت يفتح الباب أمام احتمال إبعاده عن الحكم، بعد سنوات طويلة من الهيمنة على المشهد السياسي الإسرائيلي.
إن أخطر ما في المشهد ليس مجرد تراجع نفوذ نتنياهو أو اشتداد المواجهة بينه وبين خصومه السياسيين، بل حالة الخوف التي يبدو أنها أصبحت المحرك الأساسي لخطابه السياسي، حيث تتحول الوحدة الوطنية من مسؤولية سياسية وأخلاقية إلى ورقة للمناورة ومحاولة إنقاذ الحكم.
نتنياهو، الذي طالما قدم نفسه باعتباره رجل الأمن القومي الإسرائيلي وصاحب القرار الحاسم، يجد نفسه اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع الأزمات الإقليمية، وتصبح فيها كل مواجهة سياسية اختبارًا جديدًا لقدرة حكومته على البقاء.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل بات نتنياهو يخشى على مستقبله السياسي أكثر مما يخشى على مستقبل إسرائيل؟
إن استحضار السيناريوهات المرعبة، والحديث المتكرر عن الأخطار الوجودية، قد يكون محاولة لحشد الشارع الإسرائيلي خلف القيادة، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات حول مدى قدرة حكومة نتنياهو على التعامل مع التحديات بعيدًا عن حسابات البقاء في السلطة.
وفي النهاية، قد تكون أخطر لحظات السياسي تلك التي يتحول فيها الخوف من فقدان الحكم إلى المحرك الأول لكل قرار، فتختلط مصلحة الدولة بمصلحة الحاكم، وتصبح الوحدة الوطنية شعارًا لا يُرفع إلا عندما تهتز أركان السلطة.
أما تكليف آيزنكوت، فلا يعني بالضرورة سقوط نتنياهو بصورة نهائية، لكنه يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المعارضة الإسرائيلية على تشكيل حكومة بديلة، ويضع رئيس الوزراء أمام واحدة من أصعب اللحظات في مسيرته السياسية.
فهل يقترب نتنياهو من نهاية سياسية طال انتظارها، أم أن الأزمات التي يثيرها ستظل وسيلته الأخيرة للبقاء في الحكم؟ وهل يستطيع آيزنكوت تشكيل حكومة تنهي عهد نتنياهو، أم أن الحسابات الإسرائيلية المعقدة ستمنح رئيس الوزراء فرصة جديدة للنجاة

تعليقات
إرسال تعليق