بقلم :شريف السبع
باحث فى الشؤون العمالية
حين تُكتب قوانين العمل بقلم المستفيد وتُفرغ النصوص من روحها الإنسانية، يجد العامل نفسه وحيداً في العراء، يحارب على جبهتين: لقمة عيش أصبحت عصية المنال، وكرامة مهدورة على مذبح أرباح سريعة. لم يعد السؤال في مصانعنا وورشنا ومواقع الإنتاج هو كيف ننتج لنبني الوطن، بل تحول بمرارة إلى تساؤل مصيري: من يحمي العمال من قسوة الآلة وغياب العدالة؟
هذا السؤال لا ينبع من فراغ، بل يتفجر من واقع يومي معقد تتداخل فيه التشريعات المنحازة، والنقابات البيروقراطية الغائبة، والإدارات المستبدة التي تجعل الإنتاج فوق الرقاب، وسياسات تجريم التضامن التي تحول ميادين العمل إلى ساحات لقهر الوعي الإنساني.
أولاً: التشريع في مواجهة العامل.. حين يتحول القانون إلى مظلة شكلية
نظرياً، ترفع الدولة شعار حماية العامل وتوفير بيئة عمل آمنة وعادلة. لكن الفجوة بين النص الدستوري والقانوني وبين الواقع الميداني تسسع كل يوم.
ثغرات العقود المؤقتة والتشريح المرن: تصاغ العديد من بنود العمل بعناية فائقة تتيح للإدارة التسريح التعسفي وتفريغ عقود العمل من مضمونها الحقيقي، محولة الأمان الوظيفي إلى وهم متجدد. العامل يعيش تحت سيف "الاستغناء الفوري"، بلا غطاء قانوني يحميه من تقلبات السوق أو مزاجية الإدارة.
المناطق العمياء في القطاع غير الرسمي: آلاف العمال في الورش والمصانع الصغرى والقطاع غير الرسمي يعيشون خارج نطاق الرقابة والتفتيش تماماً. مكاتب السلامة والصحة المهنية وتفتيش العمل إما عاجزة بنقص الكوادر والإمكانيات، أو تغض الطرف تماماً، مما يترك العمال بلا مظلة تأمينية أو صحية، يواجهون الموت بطيئاً في بيئات عمل تفتقر لأدنى معايير الأمان.
ثانياً: النقابات والاتحادات العمالية.. من درع حقيقي إلى عبء إضافي
التاريخ الإنساني يؤكد أن العامل بلا تنظيم حقيقي يمثله هو جندي أعزل في ميدان المعركة. لكن المفارقة المؤلمة أن النقابات والاتحادات العمالية – التي وُجدت لتكون حصنًا منيعًا – تحولت في كثير من المواقع إلى عبء ثقيل على كاهل العمال.
هياكل بيروقراطية مفصولة عن القواعد: تدير المؤسسات النقابية بمنطق فوقي بعيد كل البعد عن نبض الورش والمصانع. لجان لا تُعبر عن هموم العمال الحقيقية، ولا تدافع عن أجورهم المتآكلة، بل تكتفي بلعب دور "الوسيط التوفيقي" الذي يضغط على العامل لتقديم المزيد من التنازلات تحت شعار "الظروف ومصلحة المنظومة".
تحصيل بلا مقابل وتجريم للتنقل الحر: يقتطع من أجر العامل البسيط اشتراكات شهرية لصالح كيانات لا تقدم له سنداً قانونياً ولا رعاية حقيقية وقت الأزمات. والأدهى من ذلك، أن أي محاولة لقواعد العمال لتأسيس تنظيمات مستقلة أو لجان مطلبية تدافع عن حقوقهم تواجه بالتخوين، أو الفصل، أو الملاحقة، ليُترك العامل محاصراً حتى من حقه في التمثيل العادل.
ثالثًـا: الإدارة وضمير المنظومة.. الإنتاج فوق الرقاب وضياع الضمير
داخل المصانع والورش، تدار الأمور في الغالب بعقليّة "الإنتاج فوق الرقاب". لم يعد العامل بشراً له جسد يتعب وعائلة تنتظر عودته سالماً، بل تحول إلى رقم مستهلك أو ترس رخيص في ماكينة الأرباح.
إعدام الضمير الإداري: حين تفتقر الإدارة إلى الكفاءة الإنسانية وتدار بـ "منطق أصحاب العضل"، تُهدر معايير السلامة المهنية وتُفرض ساعات عمل إضافية بلا أجر عادل. يرى العامل زميله يتعرض لإصابة عمل أو ضغط مهني قاتل، والإدارة لا تحرك ساكناً لأن البديل على باب المصنع طابور طويل من العاطلين المقيدين بسوط الحاجة.
اغتيال الإنسانية في بيئة العمل: تتحول بيئة العمل من مساحة للإبداع وبناء المجتمع إلى "مقبرة حرارية" تبتلع صحة العمال وأعمارهم، مستغلة حالة الضعف العام وغياب الردع القانوني والإداري الحقيقي.
رابعًا: التضامن العمالي والوعي الجماعي.. الجريمة التي يخشاها أصحاب العمل
أمام هذا الحصار المزدوج من تشريع مجحف وإدارة غاشمة، يدرك أرباب العمل جيداً أن قوة العامل تكمن حصراً في وحدته وتضامنه البيني.
التضامن في قفص الاتهام: أصبح التضامن الإنساني والفطري بين الزملاء – كالوقوف بجانب عامل مظلوم، أو الاعتراض على خطر داهم، أو المطالبة بأبسط الحقوق – يُعامل كـ "جريمة تحريض" يُحقق فيها فوراً داخل ميادين العمل وتُقابل بالفصل التعسفي والترهيب.
الصمت المميت: هذا التجريم المنهجي يفرض على العمال صمتاً مميتاً؛ صمت القهر والخوف على لقمة العيش والأولاد. وهو وإن بدا ظاهرياً استسلاماً وسكوناً، إلا أنه بركان يغلي تحت السطح نتيجة تراكم المرارة وغياب أي أفق للعدالة الحقيقية.
خاتمة.. إلى متى يستمر التجاهل؟
إن حماية العمال ليست مِنّة من أحد، وكرامة الإنسان العامل هي المعيار الحقيقي لتقدم أي مجتمع واحترامه لإنسانيته. إن استمرار هذا المناخ القائم على إهدار النص القانوني، وإلغاء دور النقابات، وتجريم التضامن، وتحويل الإنتاج إلى سيف مسلط على الرقاب، لن ينجح في خلق استقرار أو بناء وطن.
ويبقى السؤال معلقاً في ذمة الواقع والتاريخ: متى يعود الحق لأصحابه، وتتحول بيئة العمل من مقبرة للقهر إلى فضاء إنساني يحترم عرق الإنسان وجده؟

تعليقات
إرسال تعليق