شهدت العلاقات المصرية الإثيوبية خلال اليومين الماضيين تطورًا دبلوماسيًا لافتًا، بعدما أعلنت إثيوبيا، في الأول من أكتوبر، اعتبار دبلوماسي مصري شخصًا غير مرغوب فيه، وطالبته بمغادرة أراضيها خلال 48 ساعة، من دون أن توضح في مذكرتها الرسمية الأسباب المحددة التي دفعتها إلى اتخاذ هذا القرار.
ولم تنتظر القاهرة طويلًا، إذ جاء الرد المصري في اليوم التالي بإعلان أحد مستشاري السفارة الإثيوبية في القاهرة شخصًا غير مرغوب فيه، ومنحه مهلة 48 ساعة لمغادرة الأراضي المصرية، في خطوة أعلنت القاهرة أنها تأتي تطبيقًا لمبدأ المعاملة بالمثل.
وبقراءة المشهد بعيدًا عن الانفعال، فإن ما جرى لا يمكن فصله عن حالة التوتر الإقليمي المتزايدة في القرن الأفريقي، ولا سيما أن القرار الإثيوبي ضد الدبلوماسي المصري جاء في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه أديس أبابا إغلاق سفارتها في إريتريا وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، قبل أن تعلن أسمرة قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا.
وهنا تبدو أهمية التوقيت؛ فإثيوبيا تواجه في الوقت الراهن تصعيدًا داخليًا وأمنيًا في عدد من مناطق البلاد، بالتزامن مع تدهور حاد في علاقاتها مع إريتريا. وفي خضم هذه البيئة المضطربة، اتهمت أديس أبابا مصر وإريتريا والسودان بدعم تحالف معارض لها، وهي اتهامات تنفيها الدول الثلاث.
ومن الجانب المصري، حمل الرد رسالة دبلوماسية واضحة مفادها أن القاهرة لن تقبل أن تتحول العلاقات الثنائية إلى ساحة لإجراءات أحادية الجانب، وأن أي خطوة تستهدف أحد أعضاء البعثة المصرية ستقابل بإجراء مماثل. وقد وصفت مصادر مصرية القرار الإثيوبي بأنه «مؤسف وغير مبرر»، وأكدت أن مصر ترفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
ولا يعني هذا التطور بالضرورة أن العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وأديس أبابا دخلت مرحلة القطيعة، فالإجراء الذي اتخذته مصر استهدف مستشارًا في السفارة ولم يصل إلى مستوى قطع العلاقات أو سحب السفراء. لكن تبادل إعلان الدبلوماسيين أشخاصًا غير مرغوب فيهم يمثل ارتفاعًا واضحًا في مستوى التوتر، ويعكس انتقال الخلاف من التصريحات السياسية إلى إجراءات دبلوماسية مباشرة.
كما أن الأزمة تأتي في سياق أوسع من الخلافات المصرية الإثيوبية، وفي مقدمتها ملف مياه النيل وسد النهضة، وهي قضية ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لمصر. ولذلك فإن أي توتر جديد بين القاهرة وأديس أبابا يكتسب حساسية إضافية، حتى وإن لم يكن القرار الدبلوماسي الأخير مرتبطًا رسميًا في المذكرة الإثيوبية بملف السد.
ومن اللافت أيضًا أن الاتحاد الأفريقي تحرك سريعًا للدعوة إلى ضبط النفس، وحث مصر وإثيوبيا وإريتريا على تجنب الإجراءات أو التصريحات التي يمكن أن تؤدي إلى مزيد من التصعيد، مؤكدًا ضرورة معالجة الخلافات من خلال القنوات الدبلوماسية والحوار السلمي.
وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم في التطورات الأخيرة ليست مجرد مغادرة دبلوماسي هنا أو آخر هناك، وإنما أن العلاقات المصرية الإثيوبية تمر بمرحلة تحتاج إلى قدر كبير من الحسابات الدقيقة. فالقاهرة اختارت الرد بالمثل، لكنها في الوقت ذاته أبقت الباب الدبلوماسي مفتوحًا، وهو ما يجعل الخطوة أقرب إلى رسالة سياسية ودبلوماسية واضحة منها إلى إعلان مواجهة مفتوحة.
لقد أثبتت الساعات الماضية أن منطقة القرن الأفريقي أصبحت أمام مشهد شديد التعقيد، تتداخل فيه الأزمات الداخلية الإثيوبية مع التوتر الإثيوبي الإريتري، والخلافات الإقليمية، والملفات المرتبطة بالأمن والمياه والممرات البحرية. ومن ثم فإن التعامل مع هذه التطورات يحتاج إلى قراءة شاملة لا تكتفي بالحدث الدبلوماسي نفسه، وإنما تنظر إلى البيئة الإقليمية التي أنتجته.
ويبقى السؤال خلال المرحلة المقبلة: هل تتوقف هذه الإجراءات عند حدود المعاملة بالمثل، أم تتحول إلى سلسلة جديدة من التصعيد الدبلوماسي؟ الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الأطراف المعنية على احتواء الأزمة وإعادة الخلافات إلى طاولة الحوار، خصوصًا في ظل دعوة الاتحاد الأفريقي إلى التهدئة والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
إن الدبلوماسية في مثل هذه الأزمات لا تقاس فقط بمدى القدرة على الرد، وإنما أيضًا بالقدرة على منع الردود المتبادلة من التحول إلى مسار يصعب التراجع عنه. وبينما أرسلت القاهرة رسالة واضحة عبر مبدأ المعاملة بالمثل، تظل قنوات الحوار هي المسار الذي يمكن من خلاله منع التوتر الحالي من التحول إلى أزمة أوسع.

تعليقات
إرسال تعليق