علاء حمدي
في إطار فعاليات الملتقى الرابع عشر للمجلس الأسرة العربية للتنمية، أحد مجالس الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، وتحت رعاية جامعة سيناء برئاسة الدكتور حسن راتب، رئيس مجلس الأمناء، وبإشراف الدكتور أشرف عبد العزيز، الأمين العام للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، وبرئاسة الدكتورة آمال إبراهيم، جاءت مشاركة الدكتور حسام محمود مطاوع، من جامعة المنصورة، لتسلط الضوء على واحدة من أبرز القضايا التي تواجه الأسرة العربية في العصر الرقمي، وهي الإدمان الرقمي وانعكاساته على الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية للأبناء.
الإدمان الرقمي.. من الاستخدام إلى الاعتماد الكامل
استعرض الدكتور حسام محمود مطاوع خطورة التحول التدريجي في علاقة الأبناء بالتكنولوجيا، موضحًا أن الاعتماد على الوسائل الرقمية قد يبدأ بصورة جزئية، ثم يتطور إلى اعتماد كامل، حتى تصبح الحياة الافتراضية محورًا أساسيًا في حياة الطفل، على حساب علاقاته الواقعية وتفاعلاته الاجتماعية.
وأشار إلى أن خطورة الإدمان الرقمي لم تعد مقتصرة على الاستخدام المفرط للأجهزة والشاشات، بل امتدت إلى أنماط جديدة من التعلق بالفضاء الرقمي، وفي مقدمتها الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح حاضرًا في حياة الأبناء بوصفه مصدرًا للمعلومات والتفاعل، وقد يتحول لدى بعضهم إلى بديل عن التواصل الإنساني المباشر.
وتناول مطاوع عددًا من صور الإدمان الرقمي، من بينها إدمان الألعاب الإلكترونية، والعلاقات الإلكترونية، والمراهنات، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب مخاطر التعرض للمحتوى الإباحي، مؤكدًا أهمية فهم هذه الأنماط والتعامل معها من منظور نفسي وتربوي واجتماعي.
تأثيرات نفسية واجتماعية تهدد نمو الأبناء
وتطرق الدكتور حسام محمود مطاوع إلى مخاطر التعرض للمحتوى الإباحي، موضحًا أن التعرض المتكرر له قد يؤثر في تصورات الطفل عن العلاقات الإنسانية والجنس الآخر، ويؤدي إلى تكوين مفاهيم غير صحية عن العلاقة بين الرجل والمرأة، فضلًا عن احتمالات الشعور بالدونية والقلق والاكتئاب والخوف وفقدان الثقة بالنفس.
كما تناول مخاطر إدمان الألعاب الإلكترونية، خاصة عندما يختلط العالم الافتراضي بإدراك الطفل للواقع، بما قد يؤثر في فهمه للعنف ونتائجه الحقيقية، وهو ما يستدعي متابعة المحتوى الذي يتعرض له الأبناء، ومناقشتهم فيما يشاهدونه ويمارسونه داخل الألعاب.
وفيما يتعلق بإدمان الذكاء الاصطناعي، لفت إلى أن تعلق الأبناء بالمساعدات الافتراضية قد يتجاوز حدود الاستفادة التعليمية، ليصل لدى بعضهم إلى الاعتماد العاطفي عليها، والنظر إليها باعتبارها صديقًا أو مصدرًا للدعم النفسي، بما قد يقلل من لجوئهم إلى الأسرة والأصدقاء والمتخصصين في الواقع.
وأكد كذلك أن الإفراط في استخدام الشاشات والتصفح المستمر قد يرتبط بالتشتت وضعف الانتباه والتركيز، والانطواء والاغتراب عن المجتمع الواقعي، الأمر الذي يستدعي الانتباه إلى التغيرات السلوكية والنفسية التي قد تظهر على الأبناء.
وحذر من خطورة المراهنات الرقمية، لما قد يترتب عليها من خسائر مالية وسلوكيات اندفاعية ومشكلات أسرية ونفسية، بما يستلزم تعزيز الوعي المبكر بمخاطرها ومتابعة أي مؤشرات تدل على تورط الأبناء فيها.
الأسرة والمدرسة.. شراكة ضرورية للحماية
وشددت المشاركة على أن مواجهة الإدمان الرقمي لا يمكن أن تتحقق من خلال المنع وحده، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين الأسرة والمدرسة والمتخصصين، وتوفر للأبناء بدائل واقعية صحية للتواصل والتعلم والترفيه.
فالأسرة مطالبة بمتابعة التغيرات التي تطرأ على الأبناء، وفتح قنوات حوار آمنة معهم، بدلًا من الاكتفاء بالعقاب أو المصادرة المفاجئة للأجهزة. كما تتحمل المدرسة مسؤولية رصد التغيرات النفسية والاجتماعية والسلوكية، والتعاون مع الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين والتربويين للتعامل المبكر مع المشكلات.
توصيات عملية لحماية الأبناء من الإدمان الرقمي
وفي ختام عرضه، طرح الدكتور حسام محمود مطاوع مجموعة من التوصيات التي تستهدف تعزيز الحماية النفسية والاجتماعية للأبناء، من أبرزها:
1. تفعيل دور الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين والتربويين في المدارس، ووضع خطط تدخل متكاملة لمساعدة الطلاب الذين تظهر لديهم مؤشرات الاستخدام الرقمي الضار.
2. تعزيز التواصل الدوري بين المدرسة والأسرة، من خلال المتابعة الشهرية للتغيرات النفسية والاجتماعية والسلوكية التي تطرأ على الأبناء، بما يسمح بالتدخل المبكر.
3. الاستفادة من خريجي أقسام علم النفس والصحة النفسية وعلم الاجتماع والإرشاد الأسري في برامج التوعية للمقبلين على الزواج، ومتابعة الطلاب بالمدارس من خلال سنة الخدمة العامة بعد التخرج.
4. تنظيم استخدام الأجهزة المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي وفقًا للمرحلة العمرية، مع التأكيد على أهمية الإشراف الأسري والمحتوى المناسب لعمر الطفل. وقد تضمنت الورقة مقترحًا باستخدام الأجهزة المحمولة من سن السابعة للأغراض التعليمية فقط، وتأجيل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلى سن الخامسة عشرة.
5. نشر ثقافة التربية الرقمية داخل الأسرة، وتوعية الآباء والأمهات بمخاطر الألعاب الإلكترونية والمراهنات والمحتوى غير الملائم، إلى جانب مخاطر الاعتماد العاطفي المفرط على المساعدات الرقمية.
6. تقديم بدائل واقعية جاذبة للأبناء، من خلال تشجيع الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية والاجتماعية، وتخصيص أوقات يومية للحوار الأسري والتواصل بعيدًا عن الشاشات.
7. تدريب أولياء الأمور على اكتشاف مؤشرات الاستخدام الإشكالي للتكنولوجيا، مثل الانسحاب الاجتماعي، واضطراب النوم، والتراجع الدراسي، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، مع الاستعانة بالمتخصصين عند الحاجة.
نحو أسرة أكثر وعيًا في العصر الرقمي
وتعكس مشاركة الدكتور حسام محمود مطاوع أهمية إدراج قضية الإدمان الرقمي ضمن أولويات العمل الأسري والتربوي، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي، وما تفرضه من تحديات جديدة على تنشئة الأبناء وبناء شخصياتهم.
وتؤكد هذه القضية أن حماية الأبناء لا تعني عزلهم عن التكنولوجيا، بل تعليمهم كيفية استخدامها بوعي ومسؤولية، ومساعدتهم على تحقيق التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية، مع الحفاظ على الروابط الأسرية والقدرة على التواصل الإنساني.
ويأتي هذا الطرح في صميم أهداف الملتقى الرابع عشر للمجلس الأسرة العربية للتنمية، الذي يسعى إلى مناقشة التحديات المعاصرة التي تواجه الأسرة العربية، وطرح رؤى وتوصيات قابلة للتطبيق، بما يعزز استقرار الأسرة ويحمي الصحة النفسية للأبناء ويدعم بناء أجيال أكثر وعيًا وقدرة على التعامل مع متغيرات العصر.

تعليقات
إرسال تعليق