القائمة الرئيسية

الصفحات

أكتوبر والعبور الثاني ... وعي الاجيال


إعداد 


متابعه احــــمد القـــــــطعاني 


أكد د/ محمد محمود صيام أمين اللجان النوعية بحزب حماه وطن المتخصصة حرب أكتوبر ليست ذكرى من الماضي... بل درس للأجيال الجديدة

هناك أجيال من أطفالنا وشبابنا لم تكن موجودة عندما وقعت حرب أكتوبر عام 1973، ولم ترَ لحظة عبور قناة السويس، ولم تسمع أصوات المعركة، ولم تعش مشاعر الأسر المصرية وهي تنتظر أخبار أبنائها على الجبهة.

وهنا يأتي السؤال:

كيف نُعرّف هذا الجيل بحرب أكتوبر؟ وكيف نجعلها جزءًا من وعيه وانتمائه، رغم أنه لم يعش أحداثها؟

الإجابة تبدأ من إدراك حقيقة مهمة:

ليس مطلوبًا من الطفل أو الشاب أن يكون قد عاش الحدث حتى يتعلم منه؛ فالتاريخ الذي يُروى بطريقة صحيحة يمكن أن يتحول إلى وعي، والوعي يمكن أن يتحول إلى سلوك وانتماء ومسؤولية.

حرب أكتوبر 1973 كانت حدثًا عسكريًا وتاريخيًا كبيرًا؛ ففي السادس من أكتوبر تمكنت القوات المصرية من عبور قناة السويس واقتحام التحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية، وبدأت عملية عسكرية سبقتها سنوات من الإعداد والتدريب والتخطيط.

لكن بالنسبة لأبنائنا اليوم، الأهم ليس فقط أن يعرفوا ماذا حدث؟، وإنما أن يسألوا:

كيف حدث؟ ولماذا نجح؟ وماذا يمكن أن نتعلم منه في حياتنا اليوم؟

أولًا: نُخرج حرب أكتوبر من كتاب التاريخ إلى الحياة

الخطأ أن نقدم الحرب للطفل في صورة:

تاريخ – تاريخ – تاريخ – حفظ – امتحان.

الأفضل أن نحكي له قصة الإنسان المصري في أكتوبر.

نحدثه عن الجندي الذي ترك أسرته وذهب للدفاع عن وطنه، وعن المهندس الذي ساهم في التغلب على الساتر الترابي، وعن الطبيب والممرض، وعن الأسرة التي تحملت القلق، وعن العامل والفلاح والطالب وكل من أدى دوره في المجتمع.

فحرب أكتوبر لم تكن قصة فرد واحد، وإنما تجربة شارك فيها أفراد ومؤسسات ومجتمع كامل، وتظهر المصادر الرسمية نماذج متعددة من أبناء الشعب الذين ارتبطت أدوارهم بالحرب وخدمة الوطن.

وهنا يتعلم الطفل أن:

الوطن لا يبنيه الأبطال المشهورون فقط، وإنما يبنيه كل إنسان يؤدي واجبه بإخلاص.

ثانيًا: نعلّم الطفل أن الانتماء ليس مجرد كلمة

نقول للطفل:

تحب مصر؟

سيقول: نعم.

لكن علينا أن نسأله:

ماذا تفعل لأنك تحب مصر؟

وهنا يتحول الانتماء من مشاعر إلى سلوك.

فالطفل الذي يحافظ على مدرسته، ويحترم معلمه، ويحافظ على الشارع، ولا يعتدي على الممتلكات العامة، ويساعد زميله، ويحافظ على البيئة، ويتعلم بجدية؛ هو يمارس الانتماء.

والشاب الذي يتقن عمله، ويحترم القانون، ويحافظ على أسرار بلده، ويتحقق من الأخبار قبل نشرها، ويرفض الشائعات والتضليل، ويشارك بصورة إيجابية في مجتمعه؛ هو أيضًا يمارس الانتماء.

وهنا تصبح رسالة أكتوبر واضحة:

إذا كان جيل الأمس قد أدى واجبه في ميدان الحرب، فإن جيل اليوم يستطيع أن يؤدي واجبه في ميدان العلم والعمل والإنتاج والتكنولوجيا وبناء المجتمع.

ثالثًا: ماذا يتعلم الطفل من حرب أكتوبر؟

1. لا يوجد مستحيل مع التخطيط والعمل

لم تكن عملية العبور مجرد اندفاع، بل سبقتها مراحل من الإعداد والتدريب والتخطيط، وتذكر المصادر الرسمية أن الاستعدادات والتدريبات سبقت الحرب بسنوات.

نحول هذه الفكرة إلى درس بسيط للطفل:

إذا أردت النجاح في الامتحان، خطط وذاكر.

إذا أردت الفوز في الرياضة، تدرب.

إذا أردت تحقيق حلمك، اصبر واعمل.

2. العمل الجماعي يصنع النجاح

الطفل يتعلم أن الإنجاز الكبير لا يتحقق بمجهود شخص واحد.

كما أن العبور احتاج إلى تكامل أدوار مختلفة، فإن المدرسة والأسرة والمجتمع يحتاج كل منها إلى الآخر.

نقول له:

أنت وحدك تستطيع أن تنجح، ولكن مع فريق متعاون تستطيعون تحقيق إنجاز أكبر.

3. الفشل لا يعني النهاية

من أهم الدروس التي يمكن أن نغرسها في الشباب أن الإنسان قد يتعرض للخسارة أو الفشل، لكن المهم هو كيف يتعامل معها.

فالمرحلة التي سبقت أكتوبر شهدت إعادة بناء وتدريبًا وإعدادًا بعد حرب 1967، وهو ما ارتبط بالاستعداد للحرب التالية.

وهذه رسالة شديدة الأهمية للشباب:

إذا فشلت في امتحان، لا تقل انتهيت.

إذا فشلت في مشروع، تعلم وحاول من جديد.

إذا أخطأت، صحح الخطأ.

رابعًا: كيف نحدث الطفل عن الشهداء؟

يجب ألا نقدم الشهيد للطفل بصورة مخيفة، وإنما بصورة إنسانية.

نقول له:

هناك مصريون دفعوا أغلى ثمن حتى يعيش الوطن آمنًا، ولذلك فإن احترام الشهداء لا يكون بالكلمات فقط، وإنما بأن نحافظ على الوطن الذي ضحوا من أجله.

ونعلمه أن تكريم الشهداء يكون أيضًا بالعمل والاجتهاد والحفاظ على المجتمع.

فالمطلوب ألا يخرج الطفل من قصة الشهيد حزينًا فقط، وإنما يخرج منها وهو يفهم معنى:

التضحية – المسؤولية – الوفاء – الانتماء.

خامسًا: كيف نرفع وعي المراهق؟

المراهق يحتاج إلى طريقة مختلفة.

لا نقول له فقط:

"حرب أكتوبر انتصرنا فيها وانتهى الأمر."

بل نسأله:

ما الذي جعل أجيال أكتوبر قادرة على تحقيق هدفها؟

ثم نناقش معه:

التخطيط.

التدريب.

الانضباط.

العمل الجماعي.

الصبر.

تحمل المسؤولية.

الثقة بالنفس.

التعامل مع الصعوبات.

أهمية الحصول على المعلومات من مصادر موثوقة.

وهنا يمكن أن نربط أكتوبر بعالمه الحالي.

فالمراهق الذي يتعامل مع الإنترنت ومواقع التواصل يحتاج إلى أن يفهم أن الوعي جزء من الدفاع عن المجتمع.

فكما كان الجندي يحمي وطنه في ميدان القتال، يستطيع الشاب اليوم أن يحمي مجتمعه من الشائعة والتضليل والاحتيال والتنمر الإلكتروني والمعلومات الكاذبة.

سادسًا: ماذا يستفيد الشباب من أكتوبر؟

الشاب اليوم أمام معركة مختلفة تمامًا.

ليست بالضرورة معركة عسكرية، وإنما معركة:

العلم، والعمل، والإنتاج، والتكنولوجيا، والوعي، وحماية المجتمع.

ومن هنا يمكن تحويل دروس أكتوبر إلى مجموعة من القواعد:

التخطيط قبل التنفيذ

تعلم أن النجاح لا يأتي بالعشوائية.

التدريب قبل المنافسة

تعلم أن المهارة تحتاج إلى ممارسة.

الوحدة في مواجهة التحديات

تعلم أن المجتمع المتماسك أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.

الثقة بالنفس

تعلم ألا تجعل الصعوبات سببًا للاستسلام.

الانضباط

تعلم أن الالتزام بالتعليمات والقانون يحمي الفرد والمجتمع.

التضحية

تعلم أن لكل إنجاز كبير ثمنًا من الجهد والوقت والصبر.

سابعًا: كيف نحول أكتوبر إلى مشروع وعي؟

نحتاج إلى وسائل جديدة تتناسب مع عقل الطفل والشاب في عصر التكنولوجيا.

بدلًا من محاضرة طويلة، يمكن أن نقدم:

1. أفلامًا وثائقية قصيرة

تحكي قصة بطل في دقيقتين أو ثلاث.

2. خرائط ورسوم تفاعلية

تشرح للطفل كيف حدث العبور بصورة مبسطة.

3. لقاءات مع أبطال أكتوبر وأسر الشهداء

حتى يسمع الجيل الجديد القصة من أصحاب التجربة أو عائلاتهم.

4. زيارات للمتاحف العسكرية وبانوراما حرب أكتوبر

لتحويل التاريخ من معلومة إلى تجربة بصرية وإنسانية. وقد أشارت وزارة الدفاع إلى فتح عدد من المتاحف والمنشآت العسكرية للجمهور في مناسبات وطنية بهدف نشر الوعي والثقافة العسكرية والوطنية لدى الشباب وتعريفهم ببطولات أبناء مصر وتضحياتهم.

5. مسابقات للأطفال والشباب مثل:

ارسم بطل أكتوبر.

اكتب ماذا تعلمت من أكتوبر؟

احكِ قصة أحد أبطال الحرب.

ماذا تعني كلمة الانتماء بالنسبة لك؟

6. ربط الماضي بالحاضر نسأل الشاب:

إذا كان جيل أكتوبر واجه تحدياته بالتخطيط والعمل، فما الذي تستطيع أنت أن تقدمه لمصر اليوم؟

وهذا السؤال أهم من حفظ عشرات التواريخ.

ثامنًا: لا نريد أن نربي جيلًا يحفظ أكتوبر فقط

نحن لا نريد طفلًا يعرف أن السادس من أكتوبر هو ذكرى النصر فقط.

نريد طفلًا يفهم:

لماذا انتصر؟

ولا نريد شابًا يحفظ أسماء القادة فقط.

نريد شابًا يسأل:

ماذا أتعلم من هؤلاء الرجال في حياتي؟

فالوعي الحقيقي بالتاريخ لا يظهر في الكلمات التي نقولها في المناسبات، وإنما يظهر في السلوك الذي نمارسه بعد انتهاء المناسبة.

الرسالة الأهم للأجيال الجديدة

يا أبنائنا...

أنتم لم تعيشوا حرب أكتوبر، وهذا أمر طبيعي؛ فأنتم تنتمون إلى جيل جاء بعد تلك الأحداث.

لكن عدم معايشة الحدث لا يعني عدم القدرة على فهمه.

أنتم تستطيعون أن تعيشوا قيم أكتوبر، حتى لو لم تعيشوا أيام أكتوبر.

تعيشونها عندما تتعلمون بجد.

وتعيشونها عندما تتقنون عملكم.

وتعيشونها عندما تساعدون الآخرين.

وتعيشونها عندما تحافظون على بلدكم.

وتعيشونها عندما تواجهون الشائعة بالمعلومة الصحيحة.

وتعيشونها عندما تستخدمون التكنولوجيا في البناء وليس في الإضرار بالآخرين.

وتعيشونها عندما تفهمون أن الوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، وإنما مسؤولية مشتركة نحافظ عليها جميعًا.

وفي النهاية...

حرب أكتوبر ليست مجرد ذكرى نحتفل بها كل عام، وإنما مدرسة وطنية مفتوحة نتعلم منها.

جيل أكتوبر حمل مسؤولية وطنه في ظروف صعبة، وقدم تضحيات كبيرة، وأثبتت التجربة أهمية الإعداد والتخطيط والتدريب والتكاتف.

أما جيل اليوم، فمسؤوليته أن يحمل الوطن إلى المستقبل.

فإذا كان جيل أكتوبر قد عبر قناة السويس، فإن أجيال اليوم مطالبة بأن تعبر بمصر إلى مستقبل أفضل بالعلم والوعي والعمل.

وهنا يصبح الانتماء الحقيقي:

أن تعرف تاريخ وطنك، وتحترم تضحيات أبنائه، وتتعلم من دروسه، ثم تقدم أنت شيئًا لوطنك في زمنك.

تحيا مصر تحيا مصر تحيا مصر

تعليقات