لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد حرب تصريحات أو تبادل للتهديدات السياسية، بل باتت المنطقة أمام مشهد بالغ التعقيد تتداخل فيه الاستعدادات العسكرية مع التحركات الدبلوماسية، وتتزايد فيه المؤشرات التي تثير التساؤلات حول موعد اندلاع جولة جديدة من المواجهة، ومدى اتساع نطاقها إذا ما اتُّخذ قرار العودة إلى الضربات الجوية.
إن قراءة المشهد الراهن تستوجب التوقف أمام مجموعة من التطورات المتزامنة، وفي مقدمتها التصريحات الإسرائيلية الأخيرة بشأن ضرورة إسقاط النظام الإيراني، والتقارير التي تحدثت عن إعداد خطط عسكرية أمريكية إسرائيلية لاستئناف الهجمات، فضلًا عن الإجراءات الأمريكية المتعلقة بمغادرة بعض الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد أسرهم من البعثات الدبلوماسية في السعودية. وهي تطورات لا يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثًا منفصلة عن السياق الإقليمي المضطرب.
وتكتسب تصريحات بنيامين نتنياهو أهمية خاصة في هذا التوقيت، بعدما دعا إلى إسقاط النظام الإيراني، في موقف يعكس استمرار المواجهة الاستراتيجية بين الطرفين. فإسرائيل تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية وشبكة حلفاء طهران في المنطقة باعتبارها عناصر رئيسية في معادلتها الأمنية، بينما ترى إيران أن الضغوط العسكرية والاقتصادية تستهدف تقليص دورها الإقليمي وإضعاف قدرتها على الردع.
لكن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط برغبة إسرائيل في مواصلة الضغط على طهران، وإنما بمدى استعداد الولايات المتحدة للانتقال من سياسة التهديد والضغط إلى تنفيذ عملية عسكرية جديدة، وما إذا كانت واشنطن وتل أبيب قد توصلتا إلى توافق بشأن توقيت العملية وأهدافها وحدودها.
وتأتي التحركات الأمريكية في الخليج لتضيف بعدًا جديدًا إلى المشهد. فقد أكدت التقارير المنشورة في 22 أكتوبر صدور أمر أمريكي بمغادرة بعض الموظفين غير الأساسيين وأفراد أسرهم من البعثات الأمريكية في السعودية، في ظل تصاعد هجمات الحوثيين على أهداف مدنية ومنشآت حيوية. ومن الضروري هنا عدم المبالغة في تفسير القرار؛ فالسلطات الأمريكية ربطته مباشرة بالتهديدات الأمنية في السعودية، ولم تعلن إخلاء جميع رعاياها من دول الخليج.
ومع ذلك، فإن تزامن هذه الإجراءات مع الحديث عن خطط عسكرية محتملة ضد إيران يعكس ارتفاع مستوى المخاطر التي تستعد واشنطن للتعامل معها. فالدول لا تتخذ إجراءات تقليص الوجود الدبلوماسي عادة من دون تقدير للمخاطر المحيطة بمواطنيها وموظفيها، وإن كان هذا الإجراء وحده لا يكفي لإثبات أن ضربة عسكرية باتت وشيكة خلال ساعات.
أما العامل الأكثر خطورة، فيتمثل في احتمال اتساع دائرة المواجهة. فإذا استؤنفت الضربات الأمريكية الإسرائيلية، فقد تلجأ طهران إلى استهداف مصالح عسكرية أمريكية أو إسرائيلية، أو استخدام أوراق الضغط المرتبطة بالملاحة البحرية ومضيق هرمز، بينما قد تتحرك أطراف أخرى في المنطقة على نحو يفتح جبهات إضافية. وهنا لن تكون التداعيات محصورة في حدود إيران وإسرائيل، بل قد تمتد إلى أمن الخليج وإمدادات الطاقة والتجارة الدولية.
وتدرك مصر، بحكم موقعها الاستراتيجي وارتباط أمنها القومي باستقرار المنطقة، أن أي مواجهة واسعة ستكون لها انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على أمن الملاحة في البحر الأحمر، وحركة التجارة عبر قناة السويس، وأسعار النفط، وتكاليف النقل والتأمين، فضلًا عن احتمالات اتساع التوتر في الإقليم. ولذلك تظل الأولوية المصرية في مثل هذه الظروف هي احتواء التصعيد، ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة، والحفاظ على استقرار الدول العربية ومقدرات شعوبها.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل اقتربت ساعة الصفر فعلًا؟ إن اجتماع التصريحات الإسرائيلية التصعيدية، والتقارير المتعلقة بالخطط العسكرية، وارتفاع المخاطر الأمنية في الخليج، يسمح بالقول إن احتمالات تجدد الضربات أصبحت موضع قلق جدي. لكنه لا يسمح بالجزم بأن الهجوم سيقع خلال الساعات المقبلة، ما لم تظهر معلومات موثوقة تؤكد صدور قرار بالتنفيذ أو بدء تحركات عسكرية مرتبطة به بصورة مباشرة.
فالفرق كبير بين الاستعداد للحرب واتخاذ قرار خوضها، وبين استخدام التهديد العسكري لتحسين شروط التفاوض والانتقال الفعلي إلى العمليات القتالية. وقد يكون التصعيد وسيلة للضغط على إيران، كما قد يتحول، إذا فشلت المساعي السياسية أو وقع حادث أمني كبير، إلى شرارة مواجهة جديدة يصعب احتواء نتائجها.
إن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، لا تتحكم فيها التصريحات وحدها، بل تحدد مسارها حسابات الردع وموازين القوة وكلفة الحرب على جميع الأطراف. وإذا عادت الضربات، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في بدايتها فقط، وإنما في القدرة على منعها من التحول إلى حرب إقليمية شاملة يدفع ثمنها الجميع.
محمود أبو الحمد
الباحث السياسي
لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد حرب تصريحات أو تبادل للتهديدات السياسية، بل باتت المنطقة أمام مشهد بالغ التعقيد تتداخل فيه الاستعدادات العسكرية مع التحركات الدبلوماسية، وتتزايد فيه المؤشرات التي تثير التساؤلات حول موعد اندلاع جولة جديدة من المواجهة، ومدى اتساع نطاقها إذا ما اتُّخذ قرار العودة إلى الضربات الجوية.
إن قراءة المشهد الراهن تستوجب التوقف أمام مجموعة من التطورات المتزامنة، وفي مقدمتها التصريحات الإسرائيلية الأخيرة بشأن ضرورة إسقاط النظام الإيراني، والتقارير التي تحدثت عن إعداد خطط عسكرية أمريكية إسرائيلية لاستئناف الهجمات، فضلًا عن الإجراءات الأمريكية المتعلقة بمغادرة بعض الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد أسرهم من البعثات الدبلوماسية في السعودية. وهي تطورات لا يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثًا منفصلة عن السياق الإقليمي المضطرب.
وتكتسب تصريحات بنيامين نتنياهو أهمية خاصة في هذا التوقيت، بعدما دعا إلى إسقاط النظام الإيراني، في موقف يعكس استمرار المواجهة الاستراتيجية بين الطرفين. فإسرائيل تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية وشبكة حلفاء طهران في المنطقة باعتبارها عناصر رئيسية في معادلتها الأمنية، بينما ترى إيران أن الضغوط العسكرية والاقتصادية تستهدف تقليص دورها الإقليمي وإضعاف قدرتها على الردع.
لكن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط برغبة إسرائيل في مواصلة الضغط على طهران، وإنما بمدى استعداد الولايات المتحدة للانتقال من سياسة التهديد والضغط إلى تنفيذ عملية عسكرية جديدة، وما إذا كانت واشنطن وتل أبيب قد توصلتا إلى توافق بشأن توقيت العملية وأهدافها وحدودها.
وتأتي التحركات الأمريكية في الخليج لتضيف بعدًا جديدًا إلى المشهد. فقد أكدت التقارير المنشورة في 22 أكتوبر صدور أمر أمريكي بمغادرة بعض الموظفين غير الأساسيين وأفراد أسرهم من البعثات الأمريكية في السعودية، في ظل تصاعد هجمات الحوثيين على أهداف مدنية ومنشآت حيوية. ومن الضروري هنا عدم المبالغة في تفسير القرار؛ فالسلطات الأمريكية ربطته مباشرة بالتهديدات الأمنية في السعودية، ولم تعلن إخلاء جميع رعاياها من دول الخليج.
ومع ذلك، فإن تزامن هذه الإجراءات مع الحديث عن خطط عسكرية محتملة ضد إيران يعكس ارتفاع مستوى المخاطر التي تستعد واشنطن للتعامل معها. فالدول لا تتخذ إجراءات تقليص الوجود الدبلوماسي عادة من دون تقدير للمخاطر المحيطة بمواطنيها وموظفيها، وإن كان هذا الإجراء وحده لا يكفي لإثبات أن ضربة عسكرية باتت وشيكة خلال ساعات.
أما العامل الأكثر خطورة، فيتمثل في احتمال اتساع دائرة المواجهة. فإذا استؤنفت الضربات الأمريكية الإسرائيلية، فقد تلجأ طهران إلى استهداف مصالح عسكرية أمريكية أو إسرائيلية، أو استخدام أوراق الضغط المرتبطة بالملاحة البحرية ومضيق هرمز، بينما قد تتحرك أطراف أخرى في المنطقة على نحو يفتح جبهات إضافية. وهنا لن تكون التداعيات محصورة في حدود إيران وإسرائيل، بل قد تمتد إلى أمن الخليج وإمدادات الطاقة والتجارة الدولية.
وتدرك مصر، بحكم موقعها الاستراتيجي وارتباط أمنها القومي باستقرار المنطقة، أن أي مواجهة واسعة ستكون لها انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على أمن الملاحة في البحر الأحمر، وحركة التجارة عبر قناة السويس، وأسعار النفط، وتكاليف النقل والتأمين، فضلًا عن احتمالات اتساع التوتر في الإقليم. ولذلك تظل الأولوية المصرية في مثل هذه الظروف هي احتواء التصعيد، ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة، والحفاظ على استقرار الدول العربية ومقدرات شعوبها.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل اقتربت ساعة الصفر فعلًا؟ إن اجتماع التصريحات الإسرائيلية التصعيدية، والتقارير المتعلقة بالخطط العسكرية، وارتفاع المخاطر الأمنية في الخليج، يسمح بالقول إن احتمالات تجدد الضربات أصبحت موضع قلق جدي. لكنه لا يسمح بالجزم بأن الهجوم سيقع خلال الساعات المقبلة، ما لم تظهر معلومات موثوقة تؤكد صدور قرار بالتنفيذ أو بدء تحركات عسكرية مرتبطة به بصورة مباشرة.
فالفرق كبير بين الاستعداد للحرب واتخاذ قرار خوضها، وبين استخدام التهديد العسكري لتحسين شروط التفاوض والانتقال الفعلي إلى العمليات القتالية. وقد يكون التصعيد وسيلة للضغط على إيران، كما قد يتحول، إذا فشلت المساعي السياسية أو وقع حادث أمني كبير، إلى شرارة مواجهة جديدة يصعب احتواء نتائجها.
إن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، لا تتحكم فيها التصريحات وحدها، بل تحدد مسارها حسابات الردع وموازين القوة وكلفة الحرب على جميع الأطراف. وإذا عادت الضربات، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في بدايتها فقط، وإنما في القدرة على منعها من التحول إلى حرب إقليمية شاملة يدفع ثمنها الجميع

تعليقات
إرسال تعليق