بقلم: هالة المغاوري فيينا
لم يعد النقاش الدولي يتركز فقط على توفير الأجهزة الطبية أو إنشاء مراكز متخصصة، بل انتقل إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف تستطيع الدول بناء منظومات صحية قادرة على الاستمرار وتوفير العلاج لسنوات طويلة، بعيدًا عن الاعتماد المؤقت على المساعدات الخارجية؟
هذا السؤال كان حاضرًا بقوة في المنتدى العلمي للوكالة الدولية للطاقة الذرية حول مبادرة «أشعة الأمل – Rays of Hope» في فيينا، حيث قدم ممثل أستراليا رؤية بلاده تجاه المبادرة، مؤكدًا دعم كانبرا للجهود التي تقوم بها الوكالة وشركاؤها في مجال تطوير القوى العاملة، والرعاية الصحية المستدامة، وبناء القدرات الوطنية.
كلمة الجانب الأسترالي لم تتعامل مع علاج السرطان باعتباره ملفًا طبيًا منفصلًا، وإنما وضعته داخل منظومة أوسع تشمل الإنسان والمؤسسة والمعرفة والبنية الصحية. وهي زاوية تعكس أحد التحديات الرئيسية أمام الدول التي تعاني نقصًا في خدمات العلاج الإشعاعي والطب النووي والتصوير الطبي.
فالآلة الطبية، مهما بلغت درجة تطورها، لا تستطيع وحدها إنشاء نظام صحي مستدام. هناك حاجة إلى الأطباء والفيزيائيين الطبيين والتقنيين والمهندسين، إضافة إلى أنظمة ضمان الجودة والسلامة والتدريب المستمر.
وهنا تبرز أهمية نموذج «أشعة الأمل»، الذي لا يقتصر على توفير المعدات، بل يشمل تقييم احتياجات الدول، وتطوير خطط مكافحة السرطان، وتوفير المعدات، وبناء القدرات البشرية. كما تستخدم المبادرة مراكز Anchor Centres باعتبارها مراكز إقليمية يمكن من خلالها نقل المعرفة والتدريب والخبرة إلى الدول المجاورة.
وفي هذا السياق، جاء حديث ممثل أستراليا عن تطوير القوى العاملة والرعاية الصحية المستدامة ليضع العنصر البشري في قلب المعادلة.
وأكد المتحدث أن بلاده تدعم العمل الذي تقوم به مبادرة «أشعة الأمل» والمراكز المحورية والائتلاف المرتبط بها، في رسالة تعكس أهمية التعاون بين الدول والوكالة والجهات المتخصصة.
ولا تأتي هذه الرؤية في فراغ؛ فالوكالة تعتمد في المبادرة على مساهمات الدول المانحة وشركاء من القطاع الخاص ومؤسسات التنمية، إلى جانب الدعم الفني الذي تقدمه الوكالة نفسها. وتوضح وثائقها أن الهدف هو مساعدة الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط على إنشاء أو توسيع خدمات التصوير الطبي والطب النووي والعلاج الإشعاعي.
وتكمن أهمية هذا النموذج في أن علاج السرطان يحتاج إلى منظومة متكاملة، تبدأ بالتشخيص المبكر ولا تنتهي عند العلاج، بل تشمل المتابعة وضمان الجودة وتطوير الكفاءات والقدرة على صيانة المعدات واستمرار الخدمة.
أحد أبرز عناصر «أشعة الأمل» هو مفهوم المراكز المحورية. فالهدف ليس إنشاء جزُر منفصلة من التميز الطبي، وإنما تحويل المؤسسات الأكثر خبرة إلى منصات إقليمية لتبادل المعرفة والتدريب والبحث والابتكار.
وتشير الوكالة إلى أن هذه المراكز تعمل بوصفها مراكز لبناء القدرات والمعرفة، وتقدم الدعم للدول المجاورة في مجالات التعليم والتدريب والبحث والابتكار وضمان الجودة.
ومن هنا يمكن فهم الإشارة الأسترالية إلى دعم «المراكز المحورية» باعتبارها جزءًا من تصور أوسع للتعاون الصحي الدولي.
الأهمية السياسية والعملية لهذا الطرح تكمن في أن المساعدات الطبية يمكن أن توفر بداية، لكنها لا تضمن وحدها استمرار الخدمة.
أما بناء الكوادر الوطنية، وإنشاء شبكات إقليمية للتدريب، وتوفير أنظمة ضمان الجودة، وربط المؤسسات ببعضها، فيخلق قدرة تستطيع الدول تطويرها مع الوقت.
وهذا هو التحول الذي تعكسه «أشعة الأمل»: من تقديم المساعدة إلى بناء القدرة، ومن المشروع المنفرد إلى الشبكة الدولية، ومن نقل المعدات إلى نقل المعرفة.
وفي هذا الإطار، جاءت المشاركة الأسترالية لتؤكد أن مكافحة السرطان أصبحت جزءًا من أجندة أوسع للتنمية الصحية، تتقاطع فيها العلوم والتكنولوجيا والتدريب والتعاون الدولي.
فالهدف النهائي ليس فقط أن يحصل المريض على جهاز أو جلسة علاج، وإنما أن يجد في بلده أو منطقته منظومة صحية لديها القدرة على تشخيصه وعلاجه ومتابعته، اليوم وغدًا.

تعليقات
إرسال تعليق