القائمة الرئيسية

الصفحات

• حرب الخليج والله أكبر شعار للقتال بين الإخوة



الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني


قراءة جيوسياسية في مشهد التصعيد الإقليمي

دولة الجزائر


يبدو أن الشرق الأوسط قرر مرة أخرى أن يثبت للعالم أنه قادر على دخول الحرب قبل أن يتعلم كيف ينتج الدواء والغذاء، وأنه يستطيع تحريك الجيوش والصواريخ والطائرات قبل أن يستطيع تحريك مشروع واحد يضمن لأطفاله مستقبلا آمنا. ففي المشهد الراهن تتصاعد المواجهة بين السعودية والحوثيين، وتتسع دائرة التصعيد لتدخل فيها حسابات إقليمية وتحالفات جديدة، فيما يجد الجميع الوقت والمال والسلاح والجنود عندما يصبح الهدف دولة عربية أو مسلما من أبناء المنطقة. 


وهنا يطرح السؤال نفسه عليكم مباشرة: كيف تستطيعون أن تجدوا كل هذا السلاح والوقت والمال عندما يبدأ المسلم في ضرب المسلم، بينما تختفي هذه الأشياء كلها عندما تكون فلسطين تحت القصف؟


في كل مرة تبدأ فيها جولة جديدة من التصعيد، تخرج البيانات والخطب والشعارات، ويعلو صوت الله أكبر، ثم ينتهي الأمر إلى مدن مدمرة، وأطفال يبحثون عن الماء، وأسر تبحث عن الدواء، وشعوب تدفع ثمن معارك لم تختَرها. والفاجعة أنكم كلما ازددتم قدرة على تدمير بعضكم بعضا، ازددتم عجزا عن حماية أنفسكم من نتائج ذلك التدمير.


الشيعي والسني يتوازيان في الخبث والسلوك والتفكير والأفعال والجرأة مع ما تقوم به تلك المرأة، البغي التي تستسلم منذ البداية؛ طفلة تنتهك براءتها فتلوذ بالصمت، ومراهقة يعتدى عليها فتسكت، وامرأة تغتصب ثم يطلب منها، بكل صفاقة، أن تتولى تجميل صورة مغتصبها وتنظيف سمعته، فتمتثل. ثم يحرضها على التلاعب برجل آخر لطمس الوقائع وتضليل الناس، فتقبل؛ ويغويها كي تخون ذلك الديوث معه ويسافحها، فتتستر؛ حتى إذا أنجبا لقيطا معا، لم تجد في الأمر ما يستدعي الحرج أو الاعتراض.


ثم يأمرها بالطلاق بعد أن تنهي الأوراق ويحقق مصلحته، فتوقع؛ ويستولي على مالها ووقتها، فلا تتذمر وترضى؛ ويجعلها تكتم حقيقة اللقيط، أخيها، فترضخ؛ ثم يمارس عليه رذيلة البيدوفيليا كما فعل معها، فلا تجزع؛ ويطعن في عقلها كلما نطقت بما يفعله، فلا تفضحه، وتقبل تهمة الجنون لتواري فقدان شرفها بسببه وتذعن.


ويقنعها بأن طلب المساعدة ليس حلا، فتصدقه، وأن إفشاء سره لا يخدم مصلحته، فتوافق. وبعد أن أنهك جسدها بالعاهات النفسية والجنسية المفتعلة، راحت تعذره؛ والحثالة، من غبائها، تضاحكه وهو يتغامز عليها في وجودها، ثم يجعلها تتوه حتى تلقى حتفها، وهي لا تزال تبرر له، بينما يقف هو فوق خراب سمعتها ودينها ودنياها، ساخرا مستهزئا بكرامتها التي داس عليها بقدم نزواته.


فمن، يا ترى، القمامة منهما؟ أليس الاثنان معا؟ المغتصب الشيعيّ يستحمر المعتديّ السنّي، واللقيط ابنهما الاماراتي، متحالف خفيّ، وصاحب الحقّ اليمني الذي يخشيان صولته قد فر منهما. فلماذا يتعاون المغتصب مع المعتدي؟ الجواب: لأنهما شريكان في الرذيلة.


وعندما كانت غزة تنزف، أين كانت تحالفاتكم الشيعية السنية؟ أين كانت تلك القوة العربية التي تظهر فجأة عندما يتعلق الأمر بصراع عربي عربي؟ أين كانت الجيوش، والاجتماعات الطارئة، والتهديدات، والتحركات، والبيانات التي لا تنتهي؟ لماذا تستطيعون تشكيل التحالفات عندما يطلق مسلم النار على مسلم، بينما تصبح القضية الفلسطينية في كثير من الأحيان ملفا دبلوماسيا ثقيلا، أو بيانا يقرأ ثم يوضع يمزق؟! لقد أصبح المشهد مثيرا للخزي، حين تكون المعركة بين أبناء جلدتكم تظهر الحماسة، وحين تكون الأرض الفلسطينية هي موضوع الصراع تتسع دائرة الصمت والحسابات.


الله أكبر فوق الجميع، لكن لماذا ينادون بها وهم يتقاتلون فيما بينهم؟ لماذا تعلو هذه الأصوات الآن بينما غابت عند قتال المحتل الصهيوني؟ الحرب مع إسرائيل حرب شرعية ودينية قبل كل شيء، لأنها المعتدية والساعية لسلب أرض الفلسطينيين عنوة، بدعم دولي أمريكي وبريطاني كامل والعديد من الحكام الأعراب يعلمون. فلماذا بقيت الأسلحة في مخابئها، ولماذا صمتت الحناجر سابقا كأنها في قفار صحراء الربع الخالي؟ لماذا تعلو الدعوات الآن؟ لماذا صار لتركيا السلاح والوقت للهجوم؟ وللإمارات الجيش والعملاء؟ وللسعودية جيش ووقت للقتال؟ قبلا كانت الحجج مطروحة، انعدام الأفراد والوقت والمال والعتاد، أو غياب الإذن. لماذا توفر كل هذا الآن فجأة؟


 


وتصوروا لو أن التاريخ قرر أن يقلد خلافاتكم بطريقة واقعية،


فهل سمعتم على مر التاريخ عن دولة يهودية تضرب دولة يهودية أخرى؟ هل سمعتم بسبط يهودي ينادي باسم نبيه ويشهر السلاح في وجه يهودي آخر، فيصيح هذا "يا موسى!" ويجيبه الآخر بمثلها "يا موسى" ثم يتبادلان الصواريخ حتى تنفد الذخيرة؟ قطعا لا. هل سمعتم عن يهودي يحمل التوراة، وآخر يحمل الكبالاه، وآخر يحمل التلمود، وآخر يحمل الزوهار، وهم أصحاب نحو خمسين أو سبعين كتابا مقدسا، كل واحد يمسك كتابه ويدعي الحقّ المطلق ليضرب به صاحب الكتاب الآخر ومعتقده، فيحاربون بعضهم البعض؟ بينما يقف العالم أجمع ويرى أنهم الأمة الوحيدة المتحدة.


 


مشهد عبثي، أليس كذلك؟


لكنكم اعتدتم أنتم على أن يتحول الاختلاف الديني والمذهبي والسياسي إلى مباراة مفتوحة بالسلاح.


 فقولوا لإسرائيل: لماذا لا تقتتلون فيما بينكم أولا؟ لماذا لا تدمرون مدنكم واقتصادكم وتجارتكم ومؤسساتكم بأيديكم، ثم اتركوا للعرب مهمة مشاهدة الخراب؟! هل سيقبل أحد بهذا المنطق؟ بالطبع لا. لأن الدولة التي تعرف قيمة وجودها لا تتعامل مع بنيتها وشعبها باعتبارهما وقودا لمعارك الآخرين. فلماذا تريدون من شعوبكم أن يقبلوا ما لا تقبل به أي دولة تحترم نفسها؟


ولذلك فالسؤال ليس فقط: لماذا تقاتلون؟ بل لماذا تستطيعون القتال الآن بهذه السهولة؟ كيف أصبح إطلاق الصاروخ أسهل من بناء المستشفى؟ وكيف أصبح شراء السلاح أسرع من إنشاء مصنع للدواء؟ وكيف أصبحت استيرادات الطعام والبذور والمعدات أمرا عاديا، بينما أصبح الحديث عن الاستقلال الصناعي والغذائي وكأنه مشروع مستعصي؟ أنتم تمتلكون الثروة، والموقع، والطاقة، والأيدي العاملة، والأسواق، ثم تتصرفون أحيانا وكأنكم أفقر شعوب العالم في القدرة على بناء منظومة مستقلة للحياة.


والمعضلة الأكبر أنكم تملكون من الثروات ما يكفي لبناء مدن ومصانع وجامعات ومراكز أبحاث وملاجئ وشبكات نقل ومياه وطاقة، لكنكم تنفقون أموالا هائلة على أدوات الحرب، ثم تكتشفون عند أول أزمة أن الطفل لا يملك ملجأ، والمزارع لا يملك بذرة مستقلة، والمريض ينتظر دواء مستوردا، والدولة تبحث عن قطع غيار من الخارج، والاقتصاد يرتجف إذا تغير سعر الطاقة أو أغلقت ممرات الملاحة.


ثم يأتي مضيق هرمز، ذلك الممر البحري الذي يستطيع أن يحول المنطقة كلها إلى ورقة ضغط اقتصادية في لحظة واحدة. أنتم تعرفون أهمية هذا المضيق، وتعرفون أن أي اضطراب فيه لا ينعكس على السفن وحدها، وإنم على الطاقة والتجارة والأسعار وسلاسل الإمداد في العالم كله. ومع ذلك، يبقى السؤال: ماذا أعددتم لليوم الذي تتعطل فيه الملاحة؟ أين المخزون الاستراتيجي؟ أين البدائل؟ أين شبكات النقل التي تسمح باستمرار الغذاء والدواء والطاقة؟ أم أن الخطة تبدأ بعد وقوع الكارثة، ثم تجتمع اللجان لتكتشف أن الكارثة وقعت بالفعل؟


والأخطر أنكم تحولون المنطقة إلى مسرح صراع مذهبي مفتوح، وكأن التاريخ لم يعلمكم شيئا. يكفي أن يرفع طرف شعارا طائفيا حتى يخرج الطرف الآخر بشعار مضاد، ثم يتحول الجار إلى عدو، والمسجد إلى منصة تعبئة، والمذهب إلى هوية سياسية، والهوية السياسية إلى بندقية. وفي النهاية يموت العربي لأنه عربي، أو لأنه سني، أو شيعي، أو مسلم، بينما يبقى المستفيد الاسرائيلي الحقيقي خارج دائرة النار يراقب تآكل المنطقة وهي تقوم بالمهمة نيابة عنه.


والناس بطبيعة الحال سيجدون في الانصياع مخرجا، فآباؤهم الذين عبدوا الأصنام يوما ما، ليس غريبا أن يسير أبناؤهم اليوم على خطاهم. إنهم مستعدون نفسيا للتخلي عن الكعبة وعن الدين برمته، وما كانوا إلا ينافقون؛ فهاهم عندما يسافرون إلى أوروبا يتخلون عن دينهم كليا، فيتركون الصيام والحجاب والصلاة، وكأنه لا وجود للإله في الدول الغربية.


على أرض العرب يعيش قرابة مليار إنسان، أجيال متوالية ولدت هناك، على أرض ورثت جيلا بعد جيل. ومن ثم، يطرح السؤال؛ ماذا أنجزت أو قدمت الحكومات من أجل مستقبل هؤلاء الرعايا؟ وما الذي أُعد لهم؟ أتسلمونهم لإسرائيل؟ هؤلاء الصهاينة هم ضمن مشروع إقليمي أوسع، واستيطانهم لتلك الأرض مؤقت. سيأخذونها، ويعمّرونها، ثم يرحلون منها. وضعت إسرائيل كقاعدة عسكرية صهيونية هناك في إطار ترتيبات مستقبلية تخدم قوى دولية وإقليمية ونخبا سياسية، وعلى رأسهم الدجال.


لقد قدمت غزة نموذجا قاسيا لما يحدث عندما تتحول الحرب إلى وسيلة لتدمير شروط الحياة نفسها. فالبيت ليس مجرد جدران، والمستشفى ليس مجرد مبنى، والمدرسة ليست مجرد صفوف؛ إنها ذاكرة المجتمع واستمراره. عندما تهدم البيوت، لا تخسرون حجارة فقط، لكن تخسرون ذاكرة عائلة. وعندما تدمر المدرسة، لا تخسرون سبورة فقط، بل تخسرون عاما من حياة طفل. وعندما تنقطع المياه والطاقة والدواء، لا تتوقف الخدمات فقط، وإنما يبدأ المجتمع نفسه في فقدان قدرته على الاستمرار.


وعندما ينظر الإعلام العالمي إلى مشهد أبناء العرب وسط هذه الحروب المختلة والأزمات، يظهر كمسرحية تعاني فيها أجيال مبعثرة في صحراء مقفرة شاسعة، تفتقد إلى المعالم التي تقودها نحو المستقبل. كيف سيعيش هؤلاء المنبوذون خلال السنوات والعقود القادمة؟ وما الموارد والمؤسسات والحدود الآمنة التي ستستند إليها؟


وفي الدول التي تستعد للحروب توجد خطط للطوارئ، وملاجئ، ومخازن، وشبكات إنذار، وخطط إجلاء، ومراكز قيادة، ومؤسسات للحماية المدنية. أما أنتم، ففي كثير من الحالات يبدو أن المواطن هو آخر من يدخل في حسابات الحرب، مع أنه أول من يدفع ثمنها. قذيفة تسقط، فيبحث الطفل عن مكان يختبئ فيه، فلا يجد إلا جدارا متهالكا أو يد أبيه. فهل كانت مهمة الدولة أن تشتري السلاح فقط؟ أم كان عليها أيضا أن تبني المكان الذي يحمي الطفل من السلاح؟


وهنا يصل السؤال إلى جوهر المأساة: ماذا تركتم للجيل القادم؟ إذا تركتم له أرضا مدمرة، وماء شحيحا، وغذاء مستوردا، ودواء مستوردا، واقتصادا مثقلا، ومدنا مهدمة، ومجتمعات منقسمة، فما الذي سيبقى من معنى الاستقلال؟ هل يكفي أن تقولوا لأطفالكم إنكم كنتم أمة عظيمة، بينما لا يجدون في الواقع مصنعا أو مزرعة أو جامعة أو بنية تحتية أو مؤسسات قادرة على حمايتهم؟


ثم تأتي المفارقة الاقتصادية. أنتم تملكون النفط والغاز والموانئ والمعادن والأراضي الزراعية والأسواق، ومع ذلك تعتمد قطاعاتكم الحيوية على الخارج. وإذا اندلعت الحرب، ظهر الضعف دفعة واحدة: الغذاء يتأثر، الدواء يتأثر، التجارة تتأثر، الطاقة تتأثر، النقل يتأثر، والأسعار ترتفع. وكأنكم اكتشفتم فجأة أن الدولة التي لا تنتج احتياجاتها الأساسية لا تستطيع أن تكون مستقلة مهما بلغ رصيدها المالي.


وفي مسألة الزراعة، لا ينبغي النظر إلى البذور باعتبارها تفصيلا صغيرا. البذرة هي بداية السلسلة الغذائية كلها. وبعض أنواع البذور الهجينة لا تحفظ خصائصها الإنتاجية بالطريقة نفسها في الجيل التالي، ولذلك يضطر المزارع في بعض النظم الزراعية إلى شراء البذور من جديد. ومن هنا يصبح الحفاظ على البذور المحلية والأصول الوراثية الزراعية مسألة أمن قومي، لا مجرد شأن يخص المزارع. فكيف تريدون تحقيق الأمن الغذائي وأنتم لا تضمنون حتى قاعدة الإنتاج الأولى؟


هل يعقل أن تكون هناك دول لا تنتج ما يكفيها من دوائها؟ وهل يعقل أن تعتمد مجتمعات واسعة على استيراد الغذاء والمعدات الزراعية والآلات وحتى بعض مصادر المياه والطاقة، ثم تدخل في حروب طويلة تستنزف ما لديها؟ أكثر من خمسين دولة عربية وإسلامية، بما تملكه من موارد وأسواق وبشر، يمكنها نظريا بناء منظومات إنتاج متكاملة، ومع ذلك ما زالت الفجوة كبيرة بين ما تملكه المنطقة من ثروة وما تنتجه فعليا من استقلال.


وعليه يظهر السؤال الجيوسياسي الأهم: من المستفيد من منطقة تستنزف نفسها؟ عندما تتوقف المصانع، وتتراجع الزراعة، وتنهار التجارة، وتحتاج الدولة إلى إعادة إعمار مدنها، فإن الأموال ستتدفق إلى شركات ومؤسسات خارجية. وعندما تضعف العملة ويزداد الدين، يصبح القرار الاقتصادي أكثر ارتباطا بالدائنين. وعندما تتهدم البنية التحتية، يصبح البناء نفسه سوقا جديدا لمن يملك المال والتكنولوجيا. وتبعا لذلك، يمكن للحرب أن تتحول من معركة عسكرية إلى إعادة توزيع للثروة والنفوذ.


وفي خضم هذا الخراب يبقى هناك ملف لا يقل خطورة عن السلاح: المرأة والطفل والأسرة. لأن المجتمع الذي يفقد أمنه الأسري يفقد قدرته على إنتاج جيل مستقر. والطفل الذي ينشأ وسط القصف والنزوح والجوع لا يحمل آثار الحرب على جسده فقط؛ يحملها في ذاكرته وتعليمه وثقته بالمستقبل. ولذلك فإن الأطفال هم الحساب المؤجل لكل حرب. قد تتوقف القذائف اليوم، لكن آثارها قد تستمر في جيل كامل.


وإذا كانت الحكومات العربية تحب شعوبها حقا، فإن أول امتحان للحب ليس الخطاب، بل الحماية. احموا الطفل، احموا المستشفى، احموا المدرسة، احموا المزارع، احموا المصنع، احموا الماء، احموا الغذاء، احموا الآثار، ثم تحدثوا عن القوة. لأن الدولة التي تملك صاروخا ولا تملك ملجأ لطفلها تحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم القوة.


أما الحديث عن هدم الكعبة التي تتداولها بعض الخطابات السياسية والدينية، فهي وقائع غير مثبتة ومن دون دليل. لكن الفكرة الأبعد من ذلك: ماذا يحدث للهوية عندما يفقد المجتمع معالمه؟ ماذا يحدث للذاكرة عندما تختفي الآثار؟ وماذا يبقى للأجيال عندما لا تجد شاهدا ماديا على وجود آبائها وأجدادها؟


إسرائيل الكبرى، عملت خلال العقود الماضية على ترسيخ رواية تاريخية ودينية ومؤسساتية مرتبطة بالأرض، بينما تتعرض معالم عربية وإسلامية في المنطقة، بسبب الحروب والصراعات والإهمال والتحولات السياسية، للدمار أو التغيير. وهنا تظهر الحقيقة: طرف يعمل على تثبيت روايته في الأرض، بينما يمكن لطرف آخر أن يخسر روايته بسبب عجزه عن حماية الشواهد التي تحملها.


فهل حلت لعنة من فوق سبع سماوات حتى بلغ العرب هذا المبلغ من التمزق؟! أطفالهم بلا مستقبل واضح، وأراضيهم تدخل في صراعات، وثرواتهم معرضة للاستنزاف، وكرامتهم الوطنية تهتز، ثم تعودون لتقاتلوا بعضكم بعضا وكأن المشكلة الوحيدة في المنطقة هي الجار اليمن الذي يحمل راية مختلفة!


قولوا لإسرائيل أولا: اقتتلوا فيما بينكم، فإذا رأيناكم تدمرون أنفسكم بأيديكم، فحينها يمكنكم أن تطلبوا من الآخرين أن يفعلوا الشيء نفسه! وقولوا لأمريكا وروسيا والصين وسائر القوى الكبرى: لماذا لا تدمرون اقتصادكم ومدنكم ومصانعكم ثم تطلبون من العرب أن تفعل ما لم تفعلوه؟! لكنكم تعرفون أن الدول التي تحترم بقاءها لا تتصرف بهذه الطريقة. فلماذا تتصرفون أنتم كأن تدمير الذات بطولة؟


العالم لا يحتاج إلى عدو خارجي عندما يصبح المجتمع مستعدا لتدمير نفسه من الداخل. فالحرب التي تبدأ بقذيفة قد تنتهي ببيع الأرض، والحرب التي تبدأ بشعار طائفي قد تنتهي بتغيير الخريطة، والحرب التي تبدأ بالدفاع عن الكرامة قد تنتهي بشعب يبحث عن خيمة وماء ودواء. وعندما تسقط الدولة، لا يسأل التاريخ عن الشعارات التي رفعتها، بل يسأل: ماذا بقي منها؟


وهنا تظهر قضية الذاكرة التاريخية. كيف يعرف المؤرخ أن شعبا عاش في مكان ما؟ يعرف من آثاره: من زراعته، ومدنه، وسدوده، وآباره، ومصانعه، ونقوشه، ومخطوطاته، ومعابده ومساجده، ومقابره، وطرق تجارته، وأنظمة مياهه، وفنونه، ولغته، وتراثه المادي. لا يكفي أن تقولوا: كنا هنا. يجب أن يبقى شيء يقول ذلك نيابة عنكم.


ولو مر قرن كامل ثم جاء مؤرخ يبحث في هذه المرحلة، فسيجد آثارا للدول التي بنت ودوّنت وحفظت وأرشفت، وسيجد صعوبة أكبر في تتبع المجتمعات التي دمرت بنيتها، وهجرت أبناءها، وغيرت أسماء أماكنها، وفقدت سجلاتها وآثارها. التاريخ لا يرحم الفراغ؛ عندما تختفي الأدلة، يملأ الآخرون الفراغ برواياتهم.


ولهذا فإن حماية المعالم الدينية والتاريخية ليست مسألة عاطفية فقط. الكعبة والمسجد النبوي والمساجد التاريخية والمقابر والمعالم والآثار ليست مجرد حجارة بالنسبة إلى الذاكرة الجماعية؛ إنها شواهد على تاريخ طويل. وإذا تعرضت المعالم للطمس أو الإهمال أو التدمير، فإن الخسارة لا تقع على جيل واحد، وإنما تمتد إلى الأجيال التي ستبحث يوما عن آثار من سبقوها.


أنت تعيش اليوم في عالم لم يبق فيه عن كثير من الحضارات القديمة إلا أسماء ومواقع وآثار متناثرة. وأتلانتس، بصرف النظر عن حقيقة وجودها التاريخي التي لا يثبتها الدليل الأثري المتاح بوصفها حضارة محددة كما تصفها الأساطير، أصبحت مثالا شهيرا على كيف يمكن أن تعيش حضارة في الذاكرة بينما تختفي مادتها من أمام العين. وبالتالي يمكن أن يتحول الشعب أيضا إلى مجرد اسم في كتاب إذا فقد أرضه وآثاره ومؤسساته وذاكرته.


ولنفرض أنكم بنيتم حضارة راسخة بحجم الصين. كم قذيفة تحتاجون لهدمها؟ ستقصفون، وستنفد القذائف، وستبقى الحضارة؛ لأن الحضارة ليست بناية واحدة. إنها شبكة هائلة من المدن والمصانع والجامعات والطرق والمزارع والسدود والمؤسسات والناس. أما المجتمع الذي لا يملك سوى أبنية هشة وبنية تحتية محدودة ومؤسسات ضعيفة، فقد يتعرض للانهيار بسرعة أكبر. ولهذا فإن الاستثمار في البنية التحتية ليس رفاهية، بل دفاع عن الوجود.


وحتى إذا كانت أبنيتكم هشة، كان يمكن أن تكون لديكم منظومة دفاع مدني تجعل تدمير المجتمع أصعب. انظروا إلى دول صغيرة أو فقيرة حافظت على قدرة ردع عسكرية أو مدنية جعلت مهاجمتها أكثر كلفة. يمكنكم الاختلاف مع أنظمتها السياسية، لكن الدرس في مفهوم الردع واضح: من يملك قدرة على حماية نفسه يجعل حسابات الآخرين أكثر تعقيدا.


أما الطفل العربي، فصورته تختصر المأساة كلها: قذيفة تهبط من السماء، فيرفع يده ليغطي وجهه! لا لأنه يملك دفاعا، ولا لأنه يملك ملجأ، لكن لأنه لا يملك سوى يده. فأين كان أبوه؟ وأين كانت الدولة؟ وأين كانت المؤسسة التي يفترض أن تقول له: إذا بدأت الحرب، اذهب إلى المكان الفلاني؟!


انظروا إلى دول مثل السويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، حيث توجد منظومات للحماية المدنية وملاجئ وخطط طوارئ بدرجات مختلفة. لا يعني ذلك أن تلك الدول محصنة من الحرب، لكنها أدركت أن حماية المدني ليست أقل أهمية من حماية الجندي. فهل عجزتم عن بناء ملجأ؟! حتى في العصور الوسطى عرف الإنسان الخنادق والتحصينات والمخابئ. فإذا لم تستطيعوا تصنيع أحدث منظومة دفاعية، أفَعجزتم عن حفر خندق أو بناء غرفة محصنة تحمي طفلا من القذيفة؟!


وإذن تعود المسألة إلى بدايتها: أنتم لا تعانون فقط من نقص السلاح، بل من نقص فلسفة البقاء. السلاح وحده لا يصنع دولة، والمال وحده لا يصنع دولة، والشعارات وحدها لا تصنع دولة. الدولة هي التي تستطيع أن توفر الغذاء عندما تغلق الحدود، والماء عندما تجف الموارد، والدواء عندما تتوقف التجارة، والطاقة عندما تتعطل الموانئ، والمأوى عندما تسقط القذائف، والردع عندما يهدد العدو، والتعليم عندما تنهار المدارس، والذاكرة عندما يحاول التاريخ أن يبتلعها.


والأخطر أنكم قد تدخلون الحرب وأنتم تظنون أنكم تحمون الأرض، ثم تخرجون منها وقد خسرتم الأرض والإنسان معا. تستنزفون الرجال، وتدمرون المدن، وتغلقون المصانع، وتوقفون الزراعة، وتفقدون التجارة، ثم يأتي الآخرون ليعيدوا البناء بشروطهم، فيصبح من دافع عن الأرض عاجزا عن امتلاك قرارها بعد الحرب.


لقد كان من المفترض أن تكون القضية الفلسطينية نموذجا لوحدة الإرادة العربية، فإذا بها في كثير من الأحيان تتحول إلى مرآة تكشف الانقسام العربي. وكلما اشتعلت حرب جديدة في المنطقة، أعيد السؤال نفسه: هل تعلمتم شيئا من الحروب السابقة؟ العراق لم يكن كافيا؟ سوريا لم تكن كافية؟ ليبيا لم تكن كافية؟ اليمن لم يكن كافيا؟ لبنان لم يكن كافيا؟ وغزة، بكل ما حملته من مأساة، ألم تكن كافية لكي تفهموا أن الحرب لا تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار، بل تبدأ بعدها حرب أخرى اسمها إعادة بناء الإنسان والدولة؟


وأخطر ما في الحرب أنها تجعل الإنسان يعتاد الموت. في البداية يخاف الطفل من صوت القذيفة، ثم يصبح الصوت جزءا من يومه. في البداية تخاف الأسرة من النزوح، ثم يصبح النزوح عادة. في البداية يبحث الناس عن الطعام، ثم يبحثون عن أي شيء يشبه الطعام. وفي النهاية يصبح البقاء نفسه إنجازا. عندها تكون اسرائيل في الحرب قد انتصرت حتى قبل أن تعرفوا من ربح المعركة.


الأطفال هم الحساب المؤجل لكل حرب. هم الذين سيحملون الخراب إلى المستقبل إذا لم يحملوا معهم مدرسة وكتابا وبيتا آمنا وذاكرة مستقرة. ولذلك فإن تدمير طفل ليس فقط قتله أو إصابته؛ قد يكون تدمير مستقبله أيضا. الطفل الذي يفقد التعليم اليوم قد يصبح غدا جزءا من دورة الفقر والعنف، والطفل الذي يفقد البيت قد يكبر وهو يبحث عن وطن، والطفل الذي يفقد عائلته قد يحمل جرحا لا تسده أي اتفاقية سلام.


فإذا كانت الحرب ستترك لهم الركام، فما الذي ستتركونه أنتم لهم؟! هل ستتركون لهم مصانع؟ أم مستشفيات؟ أم مزارع؟ أم مدارس؟ أم ملاجئ؟ أم تاريخا موثقا؟ أم مجرد صور قديمة وذكريات يتيمة؟ وهل تريدون أن يأتي جيل بعدكم ليبحث عنكم فلا يجد إلا أسماء في كتب التاريخ؟


أما أن يظل العربي يصرخ الله أكبر وهو يوجه السلاح إلى أخيه، فهذه هي المسألة التي تستحق أن يتوقف عندها العقل طويلا. الله أكبر ليست ملكا لطائفة ولا لجبهة ولا لجيش، ولا ينبغي أن تتحول إلى كلمة افتتاحية لمعركة بين أبناء الأمة الواحدة. فإذا كان الله أكبر، فليكن أولا أكبر من الغضب، وأكبر من الطائفية، وأكبر من الثأر، وأكبر من الأطماع، وأكبر من رغبة الإنسان في تدمير أخيه.


فالمشكلة ليست أنكم لا تملكون ما يكفي من الشعارات، ولا أنكم لا تملكون ما يكفي من الثروة، ولا أنكم لا تملكون ما يكفي من الأرض. المشكلة أنكم لم تحولوا ما تملكونه إلى منظومة بقاء. تركتم الغذاء للآخر، والدواء للآخر، والتكنولوجيا للآخر، والسلاح للآخر، وأحيانا القرار للآخر، ثم غضبتم عندما اكتشفتم أن الآخر يستطيع التأثير في مصيركم.


أنتم لا تحتاجون إلى المزيد من الخطب التي تشرح لكم معنى الكرامة؛ تحتاجون إلى مصانع تجعل الدواء موجودا، ومزارع تحفظ البذور، وشبكات ماء تحمي المدن، وملاجئ تحمي الأطفال، وجامعات تنتج المعرفة، ومؤسسات تحفظ الآثار، وجيوش تعرف أن مهمتها الأولى حماية المجتمع لا استنزافه، واقتصاد يستطيع الصمود عندما يغلق العالم أبوابه.


فإذا كنتم تريدون أن يبقى العرب بعد مئة سنة، فلا يكفي أن تقولوا إنهم كانوا هنا. اتركوا لهم شيئا يقول ذلك. ابنوا، ازرعوا، اصنعوا، وثقوا، احفظوا آثاركم، احموا معالمكم، علموا أبناءكم، امتلكوا غذاءكم ودواءكم، واحموا أرضكم. لأن التاريخ لا يمنح شهادة حضور لمن يطلبها؛ التاريخ يعطيها لمن يترك أثرا.


وإذا كان خصومكم يراهنون على أن تتقاتلوا حتى تستنزفوا أنفسكم، فلا تقدموا لهم هذه الهدية بأيديكم. وإذا كان هناك من يريد أن يرى الأرض خالية من أهلها، فلا تجعلوا الحرب وسيلة لتحقيق ذلك. وإذا كان هناك من يريد السيطرة على الثروات، فلا تحولوا أنتم تلك الثروات إلى فاتورة لشراء السلاح الذي سيدمرها.


قولوا لأنفسكم قبل أن تقولوا للآخرين: لن نهدم بلادنا بأيدينا. لن نجعل أطفالنا وقودا لمعركة لا يفهمونها. لن نجعل الدين راية للاقتتال الداخلي. لن نترك الأرض بلا زراعة، ولا السماء بلا حماية مدنية، ولا المدن بلا ملاجئ، ولا المستشفيات بلا دواء، ولا الذاكرة بلا آثار.


فإذا كانت الحرب لا بد أن تقع، فليكن أول ما تدافعون عنه هو الإنسان. وإذا كانت الأرض تستحق الدفاع، فدافعوا عنها ببناء ما يجعل أهلها قادرين على البقاء فيها. وإذا كان التاريخ يعني لكم شيئا، فلا تتركوا للأجيال القادمة مهمة إثبات أنكم كنتم هنا.


لأن أخطر هزيمة ليست أن تخسروا معركة، لكن أن تنتهوا من المعركة وأنتم لا تملكون ما يكفي لتعيدوا بناء أنفسكم. وأخطر من خسارة الأرض أن تخسروا القدرة على العودة إليها. وأخطر من سقوط مدينة أن يصبح بناؤها مستحيلا. وأخطر من موت جيل أن يولد الجيل الذي يليه بلا ذاكرة ولا هوية ولا قدرة على البقاء.


وهنالك فقط يصبح السؤال الحقيقي: ماذا تريدون أن يكتب التاريخ عنكم بعد مئة عام؟ هل سيكتب أنكم امتلكتم الثروات ثم أضعتموها؟ أم أنكم امتلكتم الأرض ثم تركتمها؟ أم أنكم امتلك

أنت الان في اول موضوع

تعليقات