قالوا: متى يموت المرء؟
حين يتوقّف قلبه عن النبض ...؟!
قلت: لا... هناك موتٌ آخر لا يسمعه أحد ...!
ليس كل موتٍ يُشيَّع إلى المقابر ، ولا كل جنازةٍ لها نعش ، ولا كل من يموت يُوارى تحت التراب ...
فثمّة أحياءٌ يمشون بيننا ، يبتسمون ، يتحدّثون ، يعملون ، ويؤدّون أدوارهم اليومية كما لو أن شيئًا لم يحدث ... بينما في أعماقهم مقبرةٌ صامتة ، دُفنت فيها أشياء كثيرة : أحلامهم ، شغفهم ، ثقتهم ، وشيءٌ من أرواحهم.
قالوا : متى يموت المرء؟
قلت : يموت حين يبذل كل ما يستطيع ، ثم لا يجد من يرى جهده ، ولا من يقدّر عطاءه ، ولا من يقول له : شكرًا ... لقد كنت مهمًّا ذات يوم .
يموت حين يتحدّث من قلبه ، فلا يجد من يُصغي إليه .
وحين يصرخ من وجعه ، فيُطلب منه أن يصمت .
وحين يشرح ما يؤلمه ، فيُتهم بالمبالغة .
وحين يحتاج إلى كلمة حانية ، فلا يجد إلا جدرانًا باردة من اللامبالاة .
يموت الإنسان ببطء حين يشعر أن وجوده لم يعد يعني شيئًا لأحد ...
يموت حين يصبح حضوره عاديًا ، وغيابه أكثر عادية .
ويموت أكثر حين يفقد ذلك الشخص الذي كان يمثّل له وطنًا ...
فليس الوطن دائمًا أرضًا وحدودًا وراية وطنية ؛ أحيانًا يكون الوطن إنسانًا واحدًا ، إذا حضر شعرنا بالأمان ، وإذا غاب شعرنا أن العالم كلّه أصبح أكثر برودة .
وحين نفقد هذا الوطن الصغير الذي كان يسكن القلب ، نشعر بالغربة حتى ونحن بين أهلنا وأصدقائنا .
ثم تأتي تلك القاعدة القاسية التي تربّى عليها كثير من الرجال :
«الرجال لا تشتكي...»
وكأن الرجل ليس إنسانًا ...!
وكأن له قلبًا من حجر ، ولا يحق له أن ينكسر .
وكأن دموعه عيب ، وضعفه جريمة ، وإعترافه بالألم نقصٌ في رجولته .
لكن الحقيقة التي لا يريد كثيرون سماعها هي أن الرجل قد يصمت لا لأنه قوي ، بل لأنه تعب من الشرح ...
قد يبتسم لا لأنه سعيد ، بل لأنه لا يريد أن يحمّل الآخرين وجعه .
وقد يقول: «أنا بخير»، بينما داخله يصرخ :
«لست بخير ... لكنني لم أعد أملك طاقةً لأشرح لماذا .»
وما أقسى أن يصل الإنسان إلى المرحلة التي لا يعود فيها ينتظر شيئًا من أحد.
لا ينتظر سؤالًا ...
ولا إهتمامًا ...
ولا أعتذارًا ...
ولا حتى التفاتة ...
عندها لا يكون قد أصبح قويًا كما يظن البعض ...
بل يكون قد تعب من الإنتظار حتى مات الإنتظار داخله .
وأخطر أنواع الموت ... أن تفقد شغفك بالحياة وأنت ما زلت حيًّا .
أن تستيقظ صباحًا دون رغبة في شيء .
أن تمرّ الأيام أمامك فلا يحرّكك منها شيء .
أن تفقد فضولك ، وأحلامك ، وضحكتك ، ورغبتك في الغد .
أن تصبح الحياة بالنسبة إليك مجرّد سلسلة من الأيام المتشابهة ، تؤدّي فيها واجباتك ، ثم تعود إلى غرفتك ، وتغلق الباب ، وتجلس وحيدًا مع نفسك ...
هناك ، حيث لا يستطيع أحد أن يرى ما يحدث داخلك .
تلك اللحظة يصبح الإنسان جسدًا يتحرّك بلا روح ، وقلبًا ينبض بلا حياة .
ولذلك ، لا تسألوا دائمًا :
«هل ما زال قلبه ينبض؟»
أسألوا أيضًا :
هل ما زال يحلم؟
هل ما زال يفرح؟
هل ما زال يشعر أنه مهم؟
هل ما زال يجد من يسمعه دون أن يحاكمه؟
هل ما زال هناك شخصٌ واحد يستطيع أن يقول له :
«أنا هنا ... ولن أتركك وحدك في هذا الوجع»؟
فكم من إنسانٍ أنقذته كلمة ...
وكم من قلبٍ أعادته إبتسامة ...
وكم من روحٍ عادت إلى الحياة لأن شخصًا واحدًا فقط قال لها :
«أنا أراك ... أشعر بك ... وأقدّر وجودك.»
لا تبخلوا على من تحبون بالكلمة الطيبة .
قولوا لمن يتعب من أجلكم : شكرًا .
قولوا لمن يساندكم : وجودك نعمة .
قولوا لمن يبدو قويًا دائمًا : من حقك أن تتعب ، وأنا إلى جانبك .
فبعض الناس لا يحتاجون مالًا ولا هدايا ولا معجزات ...
كل ما يحتاجونه هو أن يشعروا بأنهم ليسوا منسيين .
وأخيرا ...
قد يتوقف القلب في لحظة ، فيُعلن الأطباء الوفاة ، وتبدأ مراسم الوداع ...
لكن هناك موتًا آخر لا يراه الأطباء ، ولا تُعلن عنه نشرات الأخبار ، ولا تُقرع له أجراس ...
إنه موت الإنسان من الداخل ؛ حين يُدفن صوته في صدره ، وتُهزم أحلامه ، ويُقتل شغفه ، ويعتاد الوحدة ، ويتعلم أن يتألم بصمت ...
فلا تنتظروا موت الإنسان حتى تكتشفوا قيمته .
أحتضنوا من تحبون وهم أحياء .
أسألوا عنهم قبل أن يسألوا عنكم من فوق قبورهم .
قدّروا من يعطيكم من قلبه ، ولا تجعلوا الإعتذار يأتي بعد فوات الأوان .
لأن أقسى ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يموت ...
بل أن يموت حيًّا ، ويظلّ الجميع يعتقد أنه بخير .
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا اليوم :
كم إنسانًا حولنا ما زال قلبه ينبض ... لكنه مات من الداخل؟
💬 فإنتبهوا لمن تحبون ... فبعض الصمت ليس كبرياءً ، وبعض الإبتعاد ليس جفاءً ، وبعض الإبتسامات تخفي وراءها حكاياتٍ من ال
وجع لا يعلمها إلا الله وحده .
هنا نابل 💬 بقلم المعز غَنِـي.
كاتب وإعلامي من مدينة نابل.
عاشق الترحال وروح الاكتشاف.

تعليقات
إرسال تعليق