هالة المغاورى فيينا
بعد مرور عام على دخول قانون حرية المعلومات الجديد في النمسا حيز التنفيذ، عادت قضية الشفافية الحكومية إلى الواجهة من بوابة ساخرة لكنها ذات دلالة سياسية ومؤسسية: «جائزة جدار الصمت» لعام 2026، التي يمنحها منتدى حرية المعلومات للجهات التي يعتبرها الأكثر إصرارًا على حجب المعلومات أو وضع عراقيل أمام الوصول إليها.
وكان من بين الجهات التي حصلت على الجائزة هذا العام ولاية فورارلبرغ، إلى جانب Wiener Linien وغرفة تجارة فيينا، في حين مُنحت جائزة «مرشح المعلومات الذهبي» لوزارة الداخلية. ويقدم المنتدى هذه الجوائز باعتبارها وسيلة لتسليط الضوء على الحالات التي يرى أنها تكشف مشكلات في تطبيق مبدأ الشفافية.
أهمية القضية لا تتوقف عند الجائزة نفسها، بل ترتبط بالتحول القانوني الذي شهدته النمسا منذ 1 سبتمبر 2025، عندما دخل قانون حرية المعلومات حيز التنفيذ، ليمنح المواطنين حقًا دستوريًا في الوصول إلى المعلومات بدل النظام السابق الذي كان يعطي الأولوية لمبدأ السرية الرسمية.
وبموجب هذا التحول، لم تعد الشفافية مجرد التزام سياسي أو وعد انتخابي، وإنما أصبحت حقًا يمكن للمواطن والصحفي استخدامه لطلب معلومات من المؤسسات الخاضعة للقانون، مع وجود استثناءات تتعلق، من بين أمور أخرى، بحماية الخصوصية والأمن والمصالح القانونية المحمية.
لكن التطبيق العملي يكشف أن الانتقال من ثقافة السرية إلى ثقافة الشفافية لا يحدث بمجرد تغيير القانون.
وتظهر فورارلبرغ مثالًا واضحًا على ذلك. فقد سبق أن دخلت الولاية في نزاعات حول إتاحة معلومات عامة، من بينها قضية تتعلق بمواقع الملصقات الانتخابية، حيث انتقد منتدى حرية المعلومات آنذاك رفض الكشف عن المواقع بحجة إمكانية استنتاج التوجه السياسي لأصحاب العقارات. كما تناولت تقارير إعلامية أخرى خلافات حول الوصول إلى رسائل إلكترونية محفوظة لدى أرشيف الولاية.
وفي إحدى القضايا الأحدث، أصدر المحكمة الإدارية لولاية فورارلبرغ قرارات في قضايا مرتبطة بقانون حرية المعلومات، ما يوضح أن النزاع حول حدود الحق في الحصول على المعلومات أصبح ينتقل بصورة متزايدة من المكاتب الحكومية إلى المؤسسات القضائية.
وفي المقابل، لا تعني الصورة أن قانون حرية المعلومات فشل. فمنتدى حرية المعلومات نفسه أشار في أغسطس 2026، بعد مرور عام على القانون، إلى أن الكثير من الأمور تحسنت، وأن الجهات الحكومية أصبحت أكثر إدراكًا لوجود حق قانوني للمواطنين في طلب المعلومات. كما أظهرت البيانات أن آلاف الطلبات قُدمت خلال العام الأول، بينها نحو 1,823 طلبًا لدى مدينة فيينا.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: النمسا قطعت خطوة قانونية كبيرة باتجاه الشفافية، لكن الاختبار الحقيقي لا يكمن في نص القانون، وإنما في كيفية تعامل الإدارات معه عندما تكون المعلومات المطلوبة حساسة سياسيًا أو محرجة للمؤسسة المعنية.
فحرية المعلومات لا تعني أن يحصل المواطن على كل وثيقة بلا قيود، وإنما تعني أن الأصل هو إتاحة المعلومات، وأن الحجب يحتاج إلى أساس قانوني واضح ومبرر.
ومن منظور الصحافة والمجتمع المدني، تصبح المسألة أكثر أهمية؛ لأن الوصول إلى الوثائق الحكومية يسمح بفحص كيفية إنفاق المال العام، واتخاذ القرارات، وإدارة المؤسسات، ومحاسبة المسؤولين عندما تظهر تناقضات بين التصريحات الرسمية والوقائع.
ولهذا فإن «جدار الصمت» ليس مجرد جائزة ساخرة تمنحها منظمة غير حكومية، بل هو انعكاس لصراع أوسع حول سؤال جوهري في الديمقراطية الحديثة: من يملك المعلومات التي تُنتجها الدولة، الحكومة أم المواطن الذي تُدار مؤسسات الدولة باسمه وبأمواله؟
وفي النمسا، يبدو أن الإجابة القانونية بدأت تتغير، لكن الجدل حول التطبيق يثبت أن إزالة السرية من القانون أسهل بكثير من إزالة ثقافة السرية من الإدارة.

تعليقات
إرسال تعليق