لم يعد ملف اندماج المهاجرين في فيينا مرتبطًا فقط بمدى قدرة الفرد على تعلم اللغة أو العثور على عمل والتكيف مع المجتمع الجديد، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بقدرة المؤسسات التي تعمل داخل الجاليات على الاستمرار والتطور والقيام بدور يتجاوز تقديم المساعدة المباشرة إلى المشاركة الفعلية في الحياة المدنية.
من هذه الزاوية، اكتسب المنتدى الذي استضافته بلدية فيينا حول «تحولات منظمات المهاجرين» أهمية خاصة، بعدما نقل النقاش من الحديث التقليدي عن اندماج المهاجرين إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا تحتاج المنظمات التي تمثل هذه الجاليات حتى تتمكن من أداء دورها بكفاءة، وتتحول من مبادرات تعتمد على جهود أفراد ومتطوعين إلى مؤسسات مدنية قادرة على الاستمرار والتأثير؟
وشارك في اللقاء عدد من ممثلي الجمعيات والمنظمات التي تعمل مع الجاليات الأجنبية والمهاجرين، إلى جانب خبراء في الشأن الاجتماعي ومسؤولين من الإدارة المحلية، من بينهم نائبة عمدة فيينا ومستشارة الاندماج بيتينا إمرلينغ، في نقاش تناول واقع العمل الأهلي والتحديات التي تواجهه داخل العاصمة النمساوية.
وتكشف طبيعة القضايا المطروحة أن منظمات المهاجرين تقف أمام مرحلة مختلفة من تطورها. فالدور الذي كانت تقوم به بعض الجمعيات في السابق، والمتمثل في تنظيم أنشطة ثقافية واجتماعية أو تقديم مساعدات محدودة لأبناء الجالية، لم يعد كافيًا أمام اتساع احتياجات المجتمعات المهاجرة وتشعبها.
فالجمعيات أصبحت مطالبة بالتعامل مع قضايا تتصل بالتعليم والاندماج والخدمات الاجتماعية والتواصل مع المؤسسات الرسمية، إضافة إلى تنفيذ مشروعات والحصول على تمويل وإدارة موارد بشرية ومالية. وهذا التحول يفرض عليها قدرًا أكبر من الاحترافية والتنظيم والقدرة على التخطيط طويل المدى.
وفي قلب هذه المعادلة تبرز مشكلة التمويل، التي لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مسألة مالية. فاستقرار الموارد يؤثر بصورة مباشرة في قدرة الجمعية على الاحتفاظ بالكوادر، وتطوير خدماتها، وتنفيذ مشروعات مستمرة بدلًا من الاعتماد على مبادرات مؤقتة مرتبطة بتمويل قصير الأجل أو بجهود مجموعة محدودة من المتطوعين.
ومن هنا يصبح السؤال المطروح أكبر من مجرد كيفية حصول الجمعية على الدعم؛ إذ يتعلق بقدرتها على بناء نموذج مالي يسمح لها بالاستمرار والعمل بصورة مستقلة ومنظمة، خصوصًا إذا كانت تسعى إلى توسيع نطاق خدماتها وتعزيز حضورها داخل المجتمع.
كما ناقش المنتدى صعوبات اللغة والتعقيدات البيروقراطية، وهما عاملان يمكن أن تكون لهما انعكاسات مباشرة على أداء الجمعيات. فالحاجز اللغوي لا يرتبط فقط بالتواصل مع الجهات الرسمية، وإنما يمكن أن يؤثر أيضًا في إعداد طلبات التمويل والمشروعات وفهم الإجراءات والمتطلبات الإدارية.
أما البيروقراطية، فتضع الجمعيات أمام منظومة من الإجراءات والقواعد التي تحتاج إلى معرفة وخبرة إدارية للتعامل معها، وهو ما قد يمثل تحديًا خاصًا أمام المؤسسات الصغيرة التي تعتمد بدرجة كبيرة على العمل التطوعي.
وتبرز هنا أهمية تطوير القدرات المؤسسية لمنظمات المهاجرين، ليس فقط لمساعدتها على الحصول على التمويل، وإنما لتمكينها من إدارة المشروعات، وتقييم نتائجها، وبناء شراكات أكثر استدامة مع المؤسسات المحلية.
وفيينا، باعتبارها مدينة تضم جاليات متعددة ومتنوعة، تواجه في هذا السياق تحديًا يتجاوز مسألة استيعاب أعداد المهاجرين؛ إذ يتعلق الأمر بكيفية تحويل هذا التنوع السكاني إلى مشاركة مدنية حقيقية، وكيفية خلق قنوات اتصال فعالة بين السكان من أصول مهاجرة والمؤسسات التي تدير المدينة.
وهنا يمكن لمنظمات المهاجرين أن تؤدي دورًا محوريًا، باعتبارها موجودة داخل الجاليات وتعرف طبيعة احتياجاتها وتحدياتها، وفي الوقت نفسه تستطيع التواصل مع المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني.
لكن القيام بهذا الدور يتطلب علاقة متوازنة بين الجمعيات والإدارة المحلية؛ فالجمعيات تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالتطور والاستمرار، بينما تحتاج المؤسسات المحلية إلى شركاء قادرين على نقل احتياجات الجاليات بصورة منظمة والمساهمة في تنفيذ المبادرات المجتمعية.
ومن هذه الزاوية، فإن دعم منظمات المهاجرين لا يمثل قضية منفصلة عن الاندماج، بل يرتبط مباشرة بمدى قدرة المجتمع على بناء جسور بين مختلف مكوناته. فاندماج الفرد لا يحدث في فراغ، وإنما داخل منظومة من المؤسسات والتعليم والعمل والمجتمع المدني والعلاقات المحلية.
والمنتدى يفتح بالتالي نقاشًا أوسع حول مستقبل العمل الأهلي المرتبط بالجاليات في فيينا: هل تستطيع هذه المنظمات الانتقال من مرحلة المبادرات الفردية والعمل التطوعي المحدود إلى مرحلة أكثر احترافية واستدامة؟ وهل يمكن أن تصبح شريكًا مؤسسيًا في معالجة قضايا الاندماج بدلًا من أن يقتصر دورها على تقديم خدمات داخل نطاق الجالية؟
الإجابة لا تتوقف على الجمعيات وحدها، وإنما ترتبط أيضًا بمدى استعداد المؤسسات المحلية لتطوير آليات التعاون والحوار معها، وبقدرة الطرفين على بناء علاقة تقوم على المشاركة وتبادل الخبرات والمسؤوليات.
وفي النهاية، فإن النقاش حول التمويل واللغة والبيروقراطية يكشف عن قضية أعمق: مستقبل الدور المدني للمهاجرين في فيينا. فكلما أصبحت المنظمات التي تمثلهم أكثر قدرة على التنظيم والاستدامة والتواصل، أصبح بإمكانها أن تتحول من مجرد إطار يجمع أفراد الجالية إلى جسر فعلي يربطهم بالمجتمع الذي يعيشون فيه.

تعليقات
إرسال تعليق