القائمة الرئيسية

الصفحات

مراكز البيانات البنية التحتية الخفية التي ستحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي في أوروبا

مراكز البيانات البنية التحتية الخفية التي ستحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي في أوروبا


هاله المغاورى فيينا

لم تعد معركة الذكاء الاصطناعي في أوروبا تدور فقط حول تطوير النماذج والخوارزميات أو امتلاك الشركات القادرة على منافسة عمالقة التكنولوجيا الأميركيين. المعركة انتقلت إلى مستوى أكثر واقعية: من يملك الكهرباء، ومراكز البيانات، وشبكات الاتصال، والمياه اللازمة لتشغيل البنية التحتية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي؟

هذا السؤال يبرز بقوة في النمسا، حيث يكشف الجدل الدائر حول إنشاء مركز بيانات في بلدة شتِتِن بمنطقة فاينفيرتل عن الوجه الآخر لطفرة الذكاء الاصطناعي. فالبلدة ترى في المشروع فرصة للاستفادة من النمو المتسارع للقطاع، بينما يتزايد اعتراض السكان بسبب تداعياته المحتملة على البنية التحتية والموارد المحلية. وتضع هذه الحالة المحلية النمساوية في قلب نقاش أوروبي أوسع حول الثمن المادي للتحول الرقمي. 

المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، الذي يبدو للمستخدم خدمة رقمية غير ملموسة، يعتمد في الواقع على منشآت ضخمة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء والتبريد والمياه. وتحذر لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا من أن التوسع السريع في مراكز البيانات، ولا سيما مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، أصبح قضية تتعلق بموثوقية شبكات الكهرباء والاستثمارات في البنية التحتية واستخدام المياه والأراضي، إضافة إلى السيادة الرقمية وتأثير هذه المشاريع على المجتمعات المحلية. وتشير تقديراتها إلى أن استهلاك مراكز البيانات عالميًا قد يرتفع من نحو 485 تيراواط/ساعة في عام 2025 إلى نحو 950 تيراواط/ساعة بحلول 2030. 

وهنا تتضح طبيعة التحدي الأوروبي. أوروبا تريد أن تقلل اعتمادها التكنولوجي على الولايات المتحدة، وأن تمتلك قدرة مستقلة على تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية الحاسوبية والطاقة. وتشير تحليلات اقتصادية حديثة إلى أن الاتحاد الأوروبي يمتلك أقل من 5% من القدرة العالمية للحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، مقابل حصة أميركية تقترب من 75%، وهو ما يجعل توسيع البنية التحتية الأوروبية ضرورة اقتصادية واستراتيجية في آن واحد. 

النمسا بدورها بدأت تدخل هذه المنافسة. فمشروعات مراكز البيانات، ومنها استثمارات Google في البلاد، يمكن أن توفر وظائف متخصصة وتدعم الاقتصاد الرقمي، لكنها تفتح في المقابل أسئلة صعبة حول استهلاك الكهرباء ومياه التبريد وقدرة المناطق المستقبِلة على استيعاب هذه المنشآت. 

والتجربة الأوروبية الأوسع توضح إلى أين يتجه السباق. فقد أعلنت Google أخيرًا استثمار نحو 13 مليار يورو في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في فنلندا، يتضمن إنشاء ثلاثة مراكز بيانات واتفاقًا طويل الأجل للحصول على الطاقة النووية. الرسالة واضحة: مستقبل الذكاء الاصطناعي لن تحدده الرقائق وحدها، بل قدرة الدول على تأمين طاقة مستقرة ونظيفة ورخيصة نسبيًا لتشغيلها. 

من هنا يصبح الجدل في شتِتِن أكثر من خلاف محلي على مشروع إنشائي. إنه نموذج مصغر لمعضلة أوروبية كاملة: كيف يمكن للقارة أن تصبح قوة عالمية في الذكاء الاصطناعي دون أن تتحول مراكز البيانات إلى عبء على شبكات الكهرباء أو الموارد المائية أو المجتمعات المحلية؟

الإجابة لن تكون برفض مراكز البيانات، كما لن تكون بمنحها حرية التوسع دون شروط. التحدي الحقيقي هو وضع سياسة تجعل البنية التحتية الرقمية جزءًا من التخطيط الاقتصادي والطاقة والمناخ، بحيث تُبنى مراكز البيانات حيث تتوافر الطاقة والشبكات والمياه، وتُربط الاستثمارات الرقمية بمنافع واضحة للمجتمعات التي تستضيفها.

فالذكاء الاصطناعي قد يكون الثورة الاقتصادية المقبلة، لكن الدول التي ستنجح في الاستفادة منه لن تكون بالضرورة تلك التي تطور أفضل الخوارزميات فقط، وإنما تلك التي تستطيع بناء الأساس المادي الذي يجعل هذه الخوارزميات قابلة للعمل على نطاق واسع. أوروبا أمام سباق جديد، وهذه المرة لا يدور في الفضاء الرقمي وحده، بل تحت الأرض وفوقها، داخل شبكات الكهرباء ومحطات الطاقة ومراكز البيانات.

تعليقات