لم يعد الحديث عن إنشاء قوة عربية مشتركة مجرد طرح سياسي قابل للتأجيل، بل أصبح في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التحديات الراهنة. فالمنطقة تواجه بيئة أمنية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الصراعات الإقليمية مع التنافس الدولي، وتتزايد فيها التهديدات التي تتجاوز حدود الدولة الواحدة لتطال الأمن القومي العربي بمفهومه الشامل.
إن التطورات المتلاحقة أثبتت أن التحديات التي تواجه الدول العربية لم تعد تقليدية. فهناك تهديدات عسكرية وأمنية، وصراعات على الحدود والممرات البحرية، وتهديدات للملاحة والطاقة، إلى جانب الإرهاب والجريمة المنظمة والحروب السيبرانية ومحاولات زعزعة استقرار الدول. وأمام هذا الواقع، يصبح من الصعب على أي دولة عربية، مهما امتلكت من قدرات، أن تواجه وحدها جميع مصادر التهديد المحيطة بها.
ومن هنا تبرز أهمية القوة العربية المشتركة باعتبارها أحد أهم الأدوات التي يمكن أن تعزز مفهوم الأمن الجماعي العربي. والمقصود هنا ليس إنشاء جيش بديل للجيوش الوطنية، وإنما بناء إطار عربي منظم يسمح بتنسيق القدرات العسكرية والأمنية، وتبادل المعلومات، والتدريب المشترك، والتخطيط الاستراتيجي، والاستجابة السريعة للأزمات التي تهدد أمن الدول العربية.
والقوة الحقيقية لأي منظومة أمنية لا تقاس فقط بحجم السلاح الذي تمتلكه، وإنما بقدرتها على التنسيق واتخاذ القرار والعمل المشترك. فامتلاك الدول العربية لقدرات عسكرية كبيرة، إذا لم يصاحبه تعاون مؤسسي وتكامل في الرؤية، قد يحول دون الاستفادة الكاملة من هذه القدرات في مواجهة التهديدات المشتركة.
كما أن إنشاء قوة عربية مشتركة يمكن أن يبعث برسالة سياسية واضحة مفادها أن الأمن العربي مسؤولية عربية بالدرجة الأولى، وأن الدول العربية قادرة على حماية مصالحها الاستراتيجية وعدم ترك فراغات أمنية يمكن أن تستغلها قوى إقليمية أو دولية لتحقيق مصالحها.
وهنا تبرز أهمية الدور المصري؛ فمصر بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والعسكري وخبرتها التاريخية في إدارة الأزمات العربية، تستطيع أن تكون أحد المحاور الرئيسية في بناء هذه المنظومة، بالتنسيق مع الدول العربية الراغبة في تطوير مفهوم الأمن الجماعي. لكن نجاح الفكرة يتطلب إرادة سياسية عربية مشتركة، وتوافقًا على طبيعة المهام وآليات اتخاذ القرار وحدود استخدام القوة.
والأهم أن إنشاء القوة العربية المشتركة يجب ألا يكون رد فعل مؤقتًا على أزمة بعينها، بل جزءًا من رؤية استراتيجية طويلة المدى للأمن القومي العربي. فالأمن لا يبدأ عند اندلاع الحرب، وإنما يبدأ من الاستعداد لها، ومن امتلاك القدرة على الردع ومنع تحول الأزمات إلى صراعات مفتوحة.
إن العالم يتجه بصورة متزايدة نحو التكتلات والتحالفات، والقوى الكبرى تعيد ترتيب أوراقها وفق حسابات المصالح والنفوذ. وفي ظل هذا المشهد، فإن استمرار العالم العربي دون منظومة أمن جماعي فعالة يعني بقاء كل دولة أمام تحدياتها بصورة منفردة، وهو ما يضعف الموقف العربي الجماعي.
لذلك، فإن الخطر يحدق بالجميع، والأمن العربي لا يمكن أن يبقى مسؤولية منفردة لكل دولة. لقد أصبحت الحاجة ملحة للانتقال من مرحلة التضامن السياسي إلى مرحلة التعاون الاستراتيجي والمؤسسي، ومن بيانات الإدانة إلى امتلاك أدوات حقيقية للردع والحماية.
إن القوة العربية المشتركة ليست مشروعًا للحرب، وإنما مشروع للردع والسلام وحماية السيادة. فحين تمتلك الأمة القدرة على الدفاع عن أمنها ومصالحها، تصبح أكثر قدرة على فرض احترامها وصيانة قرارها المستقل.

تعليقات
إرسال تعليق