القائمة الرئيسية

الصفحات


إلى كل مسؤول في تونس... اقرأوا هذا الكلام كآباء !


اليوم، لا أريد أن أتحدث بصفتي كاتبًا على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا بصفتي صاحب قلم اعتاد أن يكتب عن الشأن العام، ولا أريد أن أشخّص الأمور، أو أدخل في متاهات الأسماء والحسابات السياسية.


اليوم أريد أن أتحدث بصفتي أبًا... فقط أبًا.


إبني تونسي، يقيم في ألمانيا بمدينة Munchin ، ويدرس هناك منذ ثلاث سنوات. وكأي شاب تونسي يعيش بعيدًا عن وطنه، عاد إلى تونس خلال عطلته السنوية، يحمل معه شوق الغائب، وذاكرة الطفولة، وحنينًا لا تختصره آلاف الكيلومترات.


عاد إلى الوطن الذي، مهما أبتعدنا عنه، يبقى ساكنًا في القلب، حاضرًا في الذاكرة، ومتغلغلًا في أدق تفاصيل الحياة.


كنت أتوقع، وأنا أرى نهاية عطلته تقترب، أن أقرأ في عينيه وجع الفراق، وأن أسمع منه تلك الجملة التي أعتدناها من كل مغترب:


«ليت العطلة لا تنتهي...»


كنت أنتظر أن تكون لحظة الرحيل ثقيلة، وأن تكون تذكرة الطائرة إلى ألمانيا موعدًا مع الدموع، وأن يكون الوداع لتونس مؤلمًا.


لكن ما قرأته في تدوينته لم يكن كذلك.


لقد وجعني... كأب.


كتب إبني أنه، قبل أسبوع كامل من إنتهاء عطلته، أصبح ينتظر موعد عودته إلى ألمانيا وبالتحديد إلى مدينة Munchin ، وأنه يتطلع إلى لحظة صعوده إلى الطائرة بفارغ الصبر.


والأشد إيلامًا أنه قال، بكل بساطة، إنه سيقول:


«إلى اللقاء يا تونس»... بشيء من الراحة، بل وبشيء من الفرح.


توقفت طويلًا أمام هذه الكلمات.


لم أقرأها هذه المرة ككاتب، ولم أتعامل معها كمنشور عابر على فيسبوك.


قرأتها كأب.


وسألت نفسي:


ما الذي أوصل شابًا تونسيًا قطع آلاف الكيلومترات ليعود إلى بلاده، إلى أن يصبح في إنتظار لحظة مغادرتها؟


ما الذي جعل الطائرة التي كان يفترض أن تكون لحظة فراق، ودموع، وحنين... تتحول في إحساسه إلى طوق نجاة؟


وما الذي يجعل الوطن الذي أشتاق إليه طوال أشهر الغربة، يتحول، في نهاية إقامته، إلى مكان يتمنى مغادرته؟


هذه ليست مسألة سياسية أريد أن أستغلها، وليست أتهامًا لشخص بعينه، ولا رغبة في توزيع المسؤوليات أو الدخول في سجالات عقيمة.


إنها صرخة أب.


وهي، في الحقيقة، صرخة يجب أن يسمعها كل مسؤول في هذا الوطن، مهما كان موقعه، ومهما كانت مهمته، ومهما كان حجم صلاحياته.


وأقول لكل مسؤول تونسي:


تخيّل أن هذه الكلمات كتبها إبنك أنت.


تخيّل أن إبنك الذي يدرس أو يعمل في الخارج، والذي يقطع آلاف الكيلومترات شوقًا إلى تونس، عاد إليها ثم كتب أنه ينتظر بفارغ الصبر موعد مغادرتها.


هل كنت ستقرأ كلامه وتمرّ عليه مرور الكرام؟


هل كنت ستقول: مجرد منشور على فيسبوك؟


أم كنت ستغلق هاتفك للحظة، وتجلس وحدك، وتسأل نفسك بصراحة مؤلمة:


كيف وصلنا إلى هنا؟


كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها الشاب الذي كان من المفترض أن يحنّ إلى وطنه، أكثر حنينًا إلى مكان إقامته في الخارج؟


كيف أصبح إنقطاع الكهرباء، وتكرار إنقطاع الماء الصالح للشراب، وإضطراب الخدمات الأساسية، والقلق اليومي، كافيًا لأن يغيّر شيئًا عميقًا في علاقة الإنسان بوطنه؟


لا أحد يطلب المستحيل.


ولا أحد ينتظر وطنًا بلا مشاكل.


كل البلدان تعرف الأزمات، وكل المجتمعات تمرّ بفترات صعبة، وكل دولة يمكن أن تواجه أعطالًا ونقائص وضغوطًا.


لكن ما يؤلم هو أن تصبح هذه النقائص جزءًا من التجربة اليومية للمواطن، وأن يبدأ الإنسان في فقدان الإحساس بأن وطنه هو المكان الذي يستطيع أن يستريح فيه.


والأغرب، وربما الأوجع، أن إبني، رغم كل ما أزعجه، لم يتخلَّ عن محاولة البحث عن الجميل في تونس.


ما زال يتحدث عن ناسها.


عن أماكنها.


عن بحرها.


عن لياليها.


عن تفاصيلها الصغيرة.


عن تلك الأشياء التي لا يمكن لأي بلد آخر أن يمنحه إياها بالطريقة نفسها.


كان، حتى وهو موجوع، يحاول أن يذكّر نفسه قبل غيره بأن:


تونس ليست فقط الأشياء التي أوجعته.


وهنا تحديدًا تصبح الوجيعة أكبر.


لأن القضية ليست أن أبناء تونس يعيشون في الخارج.


وليس عيبًا أن يسافروا للدراسة أو العمل، وأن يكتشفوا العالم، وأن يبنوا مستقبلهم حيث يجدون الفرصة.


المشكلة تبدأ عندما يصبح الرجوع إلى الوطن أقل راحة من الغربة، وعندما يتحول الرحيل من تونس من لحظة فراق إلى لحظة إرتياح.


هنا يجب أن نتوقف.


هنا يجب أن نصمت قليلًا.


هنا يجب أن نضع أيدينا على الجرح، بدل أن نضع أيدينا على أفواه الناس.


أنا كأب، هذا هو الكلام الذي أخافني.


لم تخفني مسافة آلاف كيلومترات ولا تذكرة الطائرة ✈️ التي أصبحت باهضة .


فالمسافة بين تونس وألمانيا تقطعها الطائرة في ساعات.


لكن هناك مسافة أخرى أخطر بكثير...


مسافة لا تقطعها الطائرات.


إنها المسافة التي تبدأ في الاتساع بين الإنسان ووطنه.


بين الحنين والواقع.


بين الذكريات وما يراه أمام عينيه.


بين صورة تونس التي يحملها في قلبه، وتونس التي يجدها عندما يعود إليها.


وهذه المسافة، إن كبرت، فلن تكون المشكلة في أن أبناءنا غادروا الوطن...


بل في أن الوطن لم يعد قادرًا على جعلهم يتمنون العودة.


يا سادة...


الأوطان لا تُحافظ على أبنائها بالشعارات وحدها.


ولا تُبنى بالخطابات.


ولا تُقاس فقط بحجم المشاريع والأرقام والإحصائيات.


الوطن الحقيقي هو أن يشعر إبنك، عندما يعود إليه بعد غياب طويل، أنه عاد إلى الأمان والكرامة والطمأنينة.


أن يجد الماء عندما يفتح الصنبور.


والكهرباء عندما يحتاج إليها.


والطريق عندما يسلكها.


والإدارة عندما يقصدها.


والخدمة عندما يدفع ثمنها.


والابتسامة عندما يعود إلى مدينته.


وأن يشعر، قبل كل شيء، أن وطنه يريده كما يريده هو.


ولا أكتب هذا الكلام كمن يكره تونس، بل العكس تمامًا.


نحن نكتب لأننا نحبها.


ونغضب لأننا نريدها أفضل.


ونتألم لأننا لا نريد أن يأتي يوم يصبح فيه أبناؤنا أكثر راحة وهم بعيدون عنها، وأكثر قلقًا وهم داخلها.


إلى كل مسؤول في تونس أقول:


لا تنظروا إلى هذه الكلمات بإعتبارها منشورًا على فيسبوك.


لا تنظروا إليها بإعتبارها رأيًا عابرًا.


أنظروا إليها بإعتبارها صوت شاب تونسي.


انتظروا إليه بإعتباره إبن واحد من أبناء هذا الشعب.


ثم تخيّلوا للحظة واحدة فقط أنه إبنكم.


وحينها، ربما لن تسألوا:


«من كتب هذا المنشور؟»


بل ستسألون السؤال الذي يجب أن يؤلمنا جميعًا:


«كيف وصلنا إلى أن يقول شاب تونسي: سأغادر تونس... وأنا سعيد؟»


وهذا السؤال، أيها السادة، أخطر من كل منشور، وأبلغ من كل خطاب.


لأن الوطن الذي يخاف على أبنائه، لا ينتظر حتى يرحلوا.


والوطن الذي يحب أبناءه، يجعلهم حين يسافرون يقولون: سأعود...


لا:


«سأغادر وأنا مرتاح.»


🇹🇳 تونس ليست فندقًا نقيم فيه ثم نغادره... تونس وطن.


والأوطان لا تُحَبّ فقط عندما تكون جميلة.


بل تُصلَح عندما تتعب، وتُحمى عندما تتعرض للخطر، ويُعاد إليها بريقها عندما يخفت.


اللهم أحفظ تونس وأهلها، وردّ إلى هذا الوطن أبناءه، وأجعل العودة إليه فرحًا لا عبئًا، والرحيل عنه حنينًا لا راحة.


وفي النهاية...


من فضلكم، لا تغضبوا من الشاب الذي قال إنه ينتظر الرحيل.

أسألوا أنفسكم أولًا:


ما الذي 

جعله يتمنى الرحيل؟


فأحيانًا، لا يكون أقسى نقد للوطن كلمة تُقال عنه...


بل دمعةٌ لم تعد تنزل عند مغادرته.


🇹🇳❤️

هنا نابل 💬 بقلم المعز غَنِـي


كاتب وإعلامي من مدينة نابل. 


عاشق الترحال وروح الاكتشاف.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات