القائمة الرئيسية

الصفحات

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب: مصر والمصالحة الإقليمية.. هل تقود القاهرة إعادة تشكيل موازين الشرق الأوسط

 

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب: مصر والمصالحة الإقليمية.. هل تقود القاهرة إعادة تشكيل موازين الشرق الأوسط

تشهد المنطقة مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية مع أمن الخليج ومستقبل النظام الإقليمي. وفي هذا المشهد تبرز مصر كطرف قادر على التحرك سياسيًا بين أطراف متباعدة، والدفع نحو الحوار بدلًا من اتساع دائرة الصراع.

التحرك المصري لا يعني الانحياز إلى إيران أو الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وإنما يعكس رؤية تقوم على أن استقرار المنطقة جزء مباشر من الأمن القومي المصري والعربي.

ومن هنا تأتي أهمية التقارب بين إيران وجيرانها. فإذا نجحت القاهرة، بالتنسيق مع الدول العربية والإقليمية، في فتح مسارات حوار حقيقية بين طهران ودول الخليج، فإن ذلك قد يقلل فرص اندلاع حرب إقليمية واسعة، ويضع الخلافات على طاولة التفاوض بدلًا من ساحات المواجهة.

والأهم أن أي تفاهم إقليمي واسع سيحد من قدرة القوى الخارجية على توظيف الانقسامات بين دول المنطقة لتحقيق مصالحها. فكلما زادت قدرة دول الشرق الأوسط على إدارة خلافاتها بنفسها، تراجعت الحاجة إلى تدخلات خارجية في قضايا الأمن الإقليمي.

وهنا تكمن أهمية الدور المصري؛ فالقاهرة تمتلك علاقات مع الأطراف العربية والإقليمية المختلفة، كما أن موقعها الجغرافي ومكانتها السياسية يجعل استقرار الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس جزءًا أساسيًا من حساباتها الاستراتيجية.

لذلك، فإن الدبلوماسية المصرية قد تكون أمام اختبار تاريخي: هل تستطيع القاهرة تحويل جهود الوساطة إلى إطار أمني إقليمي جديد يقوم على الحوار والتوازن واحترام سيادة الدول؟

إذا تحقق ذلك، فلن تكون مصر مجرد وسيط في أزمة عابرة، بل ستكون أحد مراكز صناعة النظام الإقليمي الجديد.

أما الحديث عن «إحباط مخططات أمريكية أو إسرائيلية» فينبغي التعامل معه بمنظور أكثر دقة؛ فالمصالح الدولية متشابكة، وكل قوة تتحرك وفق حساباتها. لكن بناء تفاهمات إقليمية مستقلة يعني عمليًا تقليل قدرة أي قوة خارجية على التحكم في مستقبل المنطقة عبر استثمار خلافاتها.

وفي النهاية، فإن أقوى ما يمكن أن تفعله مصر ليس الدخول في صراع جديد، وإنما منع الصراعات من الاشتعال، وجمع الأطراف المتخاصمة، وصناعة توازن إقليمي يحمي الأمن العربي والمصلحة القومية المصرية.

مصر لا تحتاج إلى حرب لتستعيد دورها؛ فالدبلوماسية حين تتحرك بثقل الدولة تستطيع أن تكون إحدى أدوات القوة الاستراتيجية. 

تعليقات