دولة الجزائر
الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني
دراسة اجتماعية أخلاقية نفسية تاريخية في سيكولوجية المجاهرة بالسوء
تتوسع في أوساطنا المعاصرة ظاهرة اجتماعية وأخلاقية غريبة؛ ظاهرة "المجاهرة بالسوء"، لتتجاوز حدود السلوك الفردي العابر الذي يمكن تداركه أو معالجته بوسائل التوعية والإرشاد، بل أضحت الموبقات تمارس في رابعة النهار، وتعرض كمنجزات شخصية، وتسوّق على أنها مفاتيح النجاح في هذا العصر، متخذة طابع الممارسة العلنية التي تتباهى بذاتها في فضاءات الشهرة والافتخار.
إن هذا التغير في الطابع البشري، الذي ينزع فيه القناع عن الوجه القبيح للفساد، يستوجب التوقف عنده بالتحليل والدراسة. لأنه يعكس خللا بنيويا في مرجعيات الأفراد، حيث تمسي الخطيئة من فعل يوارى خجلا إلى نمط يعرض بزهو، مما ينذر بتفكك الأنسجة الأخلاقية التي تحمي المجتمع من الانهيار. إننا أمام تبلور بنية جديدة في النسق الفكري السائد، حيث تنقلب القيم رأسا على عقب، ويصبح القبيح جميلا، والمستنكر مألوفا، والمحرَم مباحا، في صورة مرعبة تأخذ كل يوم أشكالا جديدة ومتجددة.
فالمسألة تندرج ضمن ظاهرة بنيوية عميقة الجذور في المجتمعات، تستمد أسباب استمرارها من مرتكزات فكرية وثقافية ونفسية معقدة، وتستدعي معالجة شاملة تتناسب مع طبيعتها المركبة. وتجد في وسائل التواصل الحديثة ومنصات الشهرة السريعة أرضا خصبة للنمو والانتشار، حتى أصبحت تشبه وباء أخلاقيا يجتاح القلوب قبل أن يجتاح المجتمعات، ويعصف بالضمائر قبل أن يعصف بالمؤسسات.
تتخذ هذه الظاهرة أشكالا شتى؛ فترى من تجاهر بالتبرّج، ومن تجاهر بالتحرّش، ومن يكشف عن ممارسات الرشوة والخيانة في بعض المواقع وكأنها تفاصيل مألوفة، ويرى قضاة في مسارات الجور، ويقدم من يدعي العلم وهو يشيع الجهل، وتظهر أمهات في ممارسات تضعف التماسك الأسري، تجاهر بالتمييز بين أبنائها، ويظهر معلّمون يتجاهلون رسالتهم النبيلة فيجاهرون بالإهمال، ويتصدّر تجّار الغشّ والاحتيال، وآخرون يسخرون من القيم، وأزواج يبثّون خصوصياتهم طلبا للشهرة، وأطفال يعتادون الكذب دون حرج، ومستبدّون يمارسون الطغيان، وجيوش تتخلّى عن واجبها أو تنحاز حيث ينتظر منها الإنصاف.
لعلّ أخطر صور المجاهرة بالسوء في عصرنا هي تلك التي تتّخذ من منصّات السلطة والحكم مسرحا لها، حيث يخرج الحكّام والرؤساء ورؤساء الحكومات ليعلنوا نواياهم العدوانية، ويهدّدوا بـ"لغة بذيئة" الشعوب بقطع أسباب الحياة كالمياه والغذاء والدواء، دون أن يخجلوا أو يتورّعوا تماما كما يفعل حاكم أمريكا، يخرج على الشعب ويهدّد على المباشر. هذه الظاهرة لم تكن معروفة بهذا الشكل الصريح والمباشر في العصور السابقة، فحتى الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية في الماضي كانت تحاول تزيين أفعالها، أو إخفاء نواياها الحقيقية، أو على الأقل التكتّم على مخططاتها الإجرامية، وتلجأ إلى الرسائل المبطنة والتهديدات غير المباشرة.
أما اليوم، فثمة حكومات تعلن على الملأ ولاءها لقوى الشر المطلق، وتتباهى بتبعيتها لكيانات إجرامية معروفة بعدوانيتها وانتهاكاتها للقوانين الدولية والأخلاق الإنسانية كما المنظمة الصهيو-إسرائيلية الطاغية. وكما نرى حكّاما يخرجون علينا عبر وسائل الإعلام ليصرّحوا بأنهم سيرسلون الفيروسات والأمراض، وسيقطعون الإمدادات الحيوية عن الشعوب، وسيفرضون العقوبات الجماعية، وكأنهم يتحدثون عن لعبة فيديو أو مشهد سينمائي، متناسين أن الأمر متعلق بحياة البشر ومصائر الأمم. وهذا التغير الجذري في خطاب السلطة يعكس تغييرا في مفهوم الحكم نفسه، فالحكومة التي كان يفترض أنها راعية للشعب وحامية لمصالحه، أصبحت تعلن عداءها له صراحة، وتفاخر بقدرتها على إيذائه وإلحاق الضرر به، وكأنها في حرب مفتوحة مع مواطنيها. إن هذا المستوى من المجاهرة بالعدوانية والغطرسة يبعث برسائل مرعبة عن مستقبل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، لم يكن معروفا في التاريخ الحديث.
طالت المجاهرة بالسوء أيضا رجال الأعمال والشركات الكبرى، الذين أصبحوا يعلنون عن ممارساتهم غير الأخلاقية بكل وقاحة وجرأة. فثمة شركات أدوية تخرج علينا لتقول بوضوح إن اللقاحات ملوثة وقاتلة أو أدويتها تحتوي على مواد مسرطنة وسموم، وإنها تتعمّد إيذاء المرضى من أجل تحقيق أرباح طائلة. وثمة شركات أغذية تعلن عن تسميم المنتجات وتلويثها، وشركات تكنولوجيا تتفاخر بانتهاك خصوصية المستخدمين والتجسّس عليهم. بل إن العديد من الأثرياء والشركات العملاقة يخرجون ليعلنوا عن قدرتهم على وقف التمويل عن دول بأكملها، أو حرمان شعوب من الأدوية والغذاء، وكأنهم يملكون مفاتيح الحياة والموت للبشرية. هذا النوع من المجاهرة بالاستعلاء والغرور المادي، واعتبار المال سلطة مطلقة تتحكم بمصائر الشعوب، يعكس انعداما للضمير الإنساني لدى النخب الاقتصادية العالمية.
وفي الفضاءات المهنية والمؤسسية، تأخذ المجاهرة بالسوء أشكالا أكثر خطورة وتأثيرا على المجتمع بأسره. فقد طالت حتى المنظومة القضائية التي كانت تمثل العدالة والنزاهة، فاليوم يخرج القضاة والمحامون ليعلنوا عن ممارساتهم الفاسدة، فيطلبون الأموال لإبراء المتّهمين، ويتفاخرون بقدرتهم على تحويل الأحكام، فأصبحت العدالة سلعة تباع وتشترى في الأسواق. يتباهون بالرشاوى التي يتلقّونها، ومسؤولون يفتخرون بمناصبهم التي حصلوا عليها عبر المحسوبية والوساطة، وقضاة يمارسون الجور علنا دون أن يخجلوا من انحيازهم الظالم. حين تمسي مهنة القضاء تجارة، وتغدو أحكام المحاكم مرهونة بالمبالغ المالية وليس بالحق والعدل، فإن آخر مؤسسة يمكن أن يحتمي بها المظلوم تنهار، ويصبح المجتمع كلّه في حالة من الفوضى والظلم الممنهج، غابة يسود فيها قانون القوي على الضعيف، والغني على الفقير، والمتصل على المنعزل.
نرى في قطاع التعليم أساتذة يتغيبون عن محاضراتهم أسبوعيا تقريبا أو يعنفون التلاميذ ويتسلطون عليهم أو يهملون في رسالتهم التعليمية لجيل بأكمله ضاربين عرض الحائط حديث النبي محمد "إن الله عزّ وجل لم يبعثني معنّفا ولكن بعثني معلّما". وأطباء يتاجرون بآلام المرضى في دورات لا نهاية لها من الكرّ والفرّ لملء جيوبهم بمال المستضعفين، وتجار يغشون في بضائعهم وهم يبتسمون للزبائن. إن هذه الممارسات، حين تصبح علنية ومجاهرا بها، فإنها تفقد المجتمع قدرته على الاستنكار، وتمسي أنماطا سلوكية قابلة للتقليد والتكرار.
تأخذ المجاهرة بالسوء في الفضاءات الدينية والفكرية أنماطا متناقضة؛ فمن ناحية نرى من يخرجون ليعتنقوا الإلحاد ويجاهروا به علنا، فأصبح الإيمان عيبا يحتاج إلى التبرؤ منه، يرفعون شعارات اللادينية كبطولة فكرية تستحق الإشادة. ومن ناحية أخرى، نرى جماعات متطرفة تخرج لتعلن عن طقوسها الشيطانية، وتنصب تماثيل لإبليس، وتجمع الجماجم، وتؤدي مراسم عبادة الأوثان والشر، في مشاهد كانت حتى الأمس القريب حكرا على أفلام الرعب والخيال.
واللافت أن هذه الممارسات غدت تعرض في وسائل الإعلام ومنصات التواصل، ويتبارى أصحابها في جذب الانتباه والإثارة، ويتنافسون في إظهار من هو أكثر تمردا وسوءا على القيم والأديان. إن هذا الانفتاح على عبادة الشر والانحلال الروحي يعكس أزمة عميقة في المجتمعات المعاصرة، حيث فقد الإنسان المعاصر بوصلة الخير والشر، وأضحى يبحث عن غاية لوجوده في الحياة في أقصى درجات الانحراف.
والأغرب من ذلك أن ظاهرة المجاهرة بالسوء طالت حتى الأوساط الدينية والثقافية، حيث نرى من يتعالم ويتفقه بغير علم، ويفتي بغير بصيرة، ويضل الناس باسم الدين، ويشيع الجهل باسم العلم. إن هؤلاء المجاهرين بالجهل والانحراف الفكري هم أخطر من غيرهم، لأنهم يستخدمون القداسة والشرعية الوهمية لتبرير انحرافاتهم، فيضلون بضلالهم الآخرين، ويدمرون القيم الأصيلة باسم الدفاع عنها.
تتسرب الظاهرة إلى أعمق الخصوصيات الإنسانية، أعني الحياة الأسرية. فقد تآكلت العلاقات الأسرية، وشاع التسلط العائلي، وتمزقت الروابط بين الآباء والأبناء، وأصبح الطلاق وسوء المعاملة سلوكا اعتياديا. بات الأزواج ينشرون خلافاتهم الزوجية وأسرار بيوتهم على مواقع التواصل، متنافسين في كشف العورات التي كان من المفترض أن تبقى مستورة، وأمهات يمارسن التمييز بين أبنائهن علنا، وآباء يتخلّون عن مسؤولياتهم التربوية. إن انهيار الخصوصية الأسرية يعد فقدانا للأمان النفسي لأفراد الأسرة، وأيضا تفكيكا للصورة المثلى للأسرة التي كانت تمثل الملجأ الآمن في مواجهة تقلبات الحياة.
وقد وصلت المجاهرة بالسوء إلى حد تخريب الممتلكات العامة والخاصة على الملأ، دون أي خوف من عقاب أو استنكار. فنرى جماعات تخرج لتقتلع الأشجار، وتحفر الطرقات، وتدمّر المنشآت العامة، وتحرق المصانع وتفسد الملاعب، وتفعل ذلك أمام عدسات الكاميرات وكأنها تؤدي واجبا وطنيا أو ممارسة رياضية. هذا النوع من التخريب العلني يحمل في طياته رسائل متعددة؛ فهو من جهة يعكس غياب السلطة والقانون، ومن جهة أخرى يعكس انقلاب العنف والتدمير إلى وسيلة تعبير جماهيرية، ومن جهة ثالثة يعكس انهيار أي إحساس بالمسؤولية تجاه الممتلكات العامة التي هي ملك للجميع. والأخطر من ذلك، أن هذه المشاهد أصبحت مألوفة ومتكررة لدرجة أنها فقدت قدرتها على إثارة الدهشة أو الاستنكار.
والأغرب من ذلك، أن المجرمين أنفسهم يخرجون ليعلنوا عن جرائمهم المستقبلية بكل جرأة. فالسارق يصرح أنه غدا سيأتي ويسرق فلانا، والقاتل يعلن أنه غدا سيقتل فلانا، والزاني يحدد موعدا ومكانا للقاء، والمتحرّش يرسم خطته لضحيته علنا. هذا المستوى من المجاهرة بالجريمة يمثل ظاهرة استثنائية في تاريخ الإجرام، إذ كان المجرمون يعملون في الخفاء، ويتوارون عن الأنظار، ويخشون الفضيحة والعقاب. أما اليوم، فنجد جرائم القتل والسرقة والاغتصاب والتحرّش تعلن وتخطط لها علنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنها تحديات في لعبة فيديو.
كما تظهر اليوم جماعات الشواذ والمثليين علنا ليصرحوا عن زواجهم أو تجمّعاتهم ونشاطاتهم في أيام محددة أو مواسم معينة من السنة، ويطلبون الدعم المالي من رجال الأعمال، ويمارسون علاقاتهم الجنسية في الفنادق، وينشرون كل تفاصيل حياتهم الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا المستوى من المجاهرة مختلف جذريا عن الماضي، حيث كانت هذه الممارسات تتمّ في أقصى درجات السرية والكتمان، خوفا من العار والعقاب العلني. والآن، بات الأمر مطلبا سياسيا واجتماعيا، وحملات إعلامية ضخمة، ومناسبات عالمية تحتفل بها الدول والمؤسسات، وأصبح الشذوذ يعتبر توجها جنسيا وحقا مشروعا.
وتتربع صور التهديد العلني المباشر على قائمة أغرب مظاهر المجاهرة بالسوء في زماننا، حيث يخرج العرّافون والمنجّمون والمشعوذون ليعلنوا للناس مخططات وأجندات؛ "في الشهر القادم ستصيب دولة محددة مصيبة، أو سيضربها زلزال، أو سيضربها مذنب، أو ستضرب بالنووي". هذا النمط من التهديدات المعلنة يمثل سابقة في تاريخ البشرية، إذ كان العرّافون والسحرة في الأزمنة الغابرة يمارسون أعمالهم في الخفاء، ويتحدثون بتلميحات وغموض، خوفا من السخرية أو العقاب المميت في الساحات العامة. أما اليوم، فيخرجون جهارا، ويعلنون عن قدراتهم الخارقة، ويتفاخرون بقدرتهم على جلب الكوارث والنكبات، وكأنهم يملكون زمام الكون بأكمله.
يكمن السر الأعظم وراء عدم تستر الناس على أخطائهم والمجاهرة بها، في ذلك التغير العميق الذي طرأ على إدراك الفرد لمكانته بين أقرانه. ففي الأزمنة الغابرة، كان المخطئ يعتقد في قرارة نفسه أنه الاستثناء النادر وسط مجتمع مستقيم، وكان يخاف من أن يصبح النقطة السوداء في ورقة بيضاء، وأن تتجه نحوه كل أصابع الاتهام، فيصبح حديث الناس ومثار سخرية المجتمع.
فالمغتصب كان يظن أنه الوحيد في قريته الذي يرتكب هذه الفاحشة، والسارق كان يعتقد أنه الاستثناء في مجتمعه، والزانية كانت تخاف أن تفتضح في محيطها، وأن تنصبّ عليها كل الأنظار وتتّجه نحوها كل الاتهامات. فكان هذا الشعور يشكل رادعا قويا، فالإنسان كان يرتعب من أن يغدو حديث الناس، وأن يصبح موضعا للعار والنبذ، لذلك كان يستر خطيئته، ويتوارى عن الأنظار، ويحرص ألا يعلم أحد بما يفعل، حفاظا على سمعته ومكانته وصورته في مجتمعه.
أما اليوم، فقد انقلب هذا الشعور رأسا على عقب. فالمخطئ يرى حوله المئات والآلاف يمارسون نفس أفعاله. السارق يرى اللصوص في كل مكان، والزاني يرى الزناة على كل منصة وفي كل بقاع الأرض، والمختلس يرى المختلسين في كل مؤسسة، والمتبرجة ترى المتبرجات في كل شارع وحي وبناية. وهكذا أصبح الشعور من "أنا الوحيد" إلى "الكلّ يفعل ذلك وعادي"، ومن الخوف من التفرّد إلى الراحة في العمومية. فالإنسان اليوم ينظر حوله فلا يرى إلا المخطئين، ويسأل نفسه: لماذا يخاف وهو واحد من الجميع؟ لماذا يخجل وهو يفعل ما يفعله كل من حوله؟ لماذا يتستّر في حين أنه يرى الآخرين يمارسون علنا دون عقاب يذكر؟
فالإنسان إذا كذب يقول أنه ليس عليكم لومه والكل يكذبون؟، وإذا خان يقول كيف يكون هو المذنب وكل من حوله خونة؟، وإذا زنى يقول أنه لماذا ينكرون عليه والكل يزنون؟. هذا الانقلاب في الإدراك يزيل عن المخطئ شعور الذنب والعار، وكأن الخطيئة أصبحت جزءا من روتين الحياة اليومي.
يمثل انتشار الانحراف تحديا كبيرا أمام منظومة العقاب. فإذا كان الماضي يشهد وقوع الخطيئة من قلّة، كان المجتمع يستطيع أن يعاقب تلك القلّة بسهولة، فيقتل الشاذ إذا كان واحدا أو اثنين أو ثلاثة، ويقطع يد السارق إذا كان فردا هنا أو هناك، ويجلد الزاني إذا كان استثناء نادرا. أما اليوم، وقد عمّ الانحراف وأصبح ظاهرة جماهيرية، فأيّ عقاب سيكون عقابا للجميع. وكيف يعاقب المجتمع شعبه كلّه؟ كيف يجلد مدينة بأكملها؟ كيف يقتل أمّة برمّتها؟ هذه الاستحالة العملية للعقاب في ظلّ العمومية تجعل العقاب غاية في الصعوبة أو من سابع المستحيلات، وتزيل الخوف منه من نفوس المخطئين.
وعندما كان الفرد يشعر بأنه الاستثناء في مجتمع يسير وفق مبادئ الدين والصراط المستقيم، كان يخاف من فضح أمره، لأن ذلك كان يجعله منبوذاً وغريباً وسط مجتمعه. أما عندما أصبح الانحراف عاما، فقد المجتمع معيار التفرّد الذي كان يرهب المخطئين ويردعهم. فلم يعد هناك خوف من أن يكون النقطة السوداء في ورقة بيضاء، لأن الورقة كلها أصبحت سوداء حالكة مليئة بالسوء والفحشاء والرذائل والموبقات.
تسهم الثورة الهائلة في وسائل الاتصال والإعلام، وخاصة منصات التواصل الاجتماعي، بشكل كبير في انتشار ظاهرة المجاهرة بالسوء. ففي الماضي، كان الإعلام التقليدي كالصحف والتلفزيون والإذاعة يخضع لنوع من الرقابة الاجتماعية أو الرقابة الذاتية. أما اليوم، فمع انتشار الهواتف الذكية وكاميرات المراقبة ومنصات البث المباشر، أصبح كل شيء يصور وينشر في ثوان معدودات، لتصبح التفاصيل الخاصة أخبارا عامة.
في عالم يشهد تنافسا محموما على جذب الانتباه، ومع هذه التكنولوجيا التي كشفت الممارسات الخفية، بل وشجعت أيضا على المجاهرة بها، لأن منصات التواصل تمنح المتابعين والشهرة لمن يثير الجدل، ويصدم الجمهور، ويكسر التابوهات. وهكذا أصبحت المجاهرة بالسوء سلعة إعلامية ووسيلة فعالة لتحقيق الصدمة والإثارة التي يستفيد منها المجاهرون أنفسهم في تحقيق الشهرة والكسب المادي المؤقت والانتشار السريع، ويستفيد منها الإعلام في جذب المشاهدين والإعلانات، ويستفيد منها الجمهور في كسر رتابة الحياة وإشباع رغبات مكبوتة، مما يزيد من تفاقم الظاهرة وتوسّعها.
كانت المؤسسات التقليدية كالأسرة، المدرسة، المسجد، الكنيسة، المؤسسات الثقافية، تلعب دورا رقابيا وتوجيهيا في المجتمع، حيث كانت تغرس القيم، وتعاقب الانحراف، وتقدم النماذج الإيجابية. ولكن مع تراجع دور هذه المؤسسات، وتآكل نفوذها، وفقدانها للثقة والمصداقية، أصبح الفرد لا يرشده أحد، ولا يردعه شيء، فينطلق في سلوكياته دون قيود.
في الماضي، كانت هناك مفاهيم واضحة للخير والشر، والحلال والحرام، والصحيح والخاطئ. ولكن مع التغيرات الفكرية والثقافية التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، أصبحت هذه المفاهيم مشوشة ومهتزة، وتم استبدالها بأخرى تقوم على النسبية الأخلاقية، حيث يصبح كل شيء مباحا طالما أنه لا يضر الآخرين بالمعنى المادي فقط، ويصبح كل شيء مشروعا إذا كان يعبّر عن حرية الفرد. وهكذا، انقلبت الفضائل إلى رذائل، والرذائل إلى فضائل. فالحياء أصبح تخلفا، والعفّة أضحت قمعا، والالتزام أصبح تزمّتا، بينما غدا التبرّج تحرّرا، والانحلال جرأة، والمجاهرة بالخطيئة شجاعة. هذا التشويه في المفاهيم هو ثمرة حملات فكرية وإعلامية ممنهجة، استهدفت تفكيك القيم التقليدية واستبدالها بثقافة الانحلال.
تظهر المصالح الدنيوية كأحد أقوى الدوافع التي تحض الناس إلى المجاهرة بالسوء. فالكاذب يتفاخر بأن كذبه هو ما أوصله إلى منصبه، والمرتشي يعتبر رشوته هي ما أنقذه من السجن، والمزوّر يتباهى بأن تزويره للوثائق هو سبب في شرائه المسكن وتحقيق غناه، والمتلاعب بالانتخابات يفتخر بأن تلاعبه هو ما أوصله إلى الحكم. والسارق يقنع نفسه أنه لو لم يسرق لما امتلك سيارة ومنزلا، والمتبرجة تردد أنها لو لم تزل حجابها لما تزوجها أحد، والشاذ يقنع نفسه أنه لو لم يعلن شذوذه الجنسي لما حصل على تلك الصفقات. هؤلاء جميعا يرون في مجاهرتهم بالسوء سبيلا لتحقيق مكاسب دنيوية عاجلة، فيتباهون بها وكأنها إنجازات تستحق الإشادة.
لكن هؤلاء المجاهرين يغفلون عن حقيقة أنهم وإن فازوا بالدنيا فقد خسروا الآخرة، وأن ما كسبوه من عرض زائل لا يعوض ما خسروه من نعيم دائم. نسوا أن الفضل الحقيقي في الطاعة والاستقامة، لا في الانحراف والمجاهرة.
يعد دعم أهل السوء والمؤسسات الداعمة للانحراف سببا رئيسيا في تفشي المجاهرة بالرذائل. فالمتبرجة تجد الدعم من المتبرجات والمتحرّرين، والزاني يجد التأييد من الزناة، والشاذ يجد المناصرين من منظمات المثلية، والسارق يجد التشجيع من عصابات اللصوص. وهكذا، بات المجاهرون بالسوء كتل بشرية متراصّة، تدعم وتشجع وتحتفي ببعضها بعضا. وما يزيد الطين بلّة، أن الحكومات والمنظمات الدولية أصبحت تقدّم الدعم المادي والمعنوي للفساد والفاسدين، وتسنّ القوانين التي تحمي المثلية والشذوذ، وتموّل الجمعيات التي تروّج للإباحية والانحلال، وتدعم المؤسسات التي تفاخر بالتطبيع مع الشر المطلق. وهذا الدعم الرسمي للانحراف يشجع الناس على المجاهرة به، لأنهم يعرفون أن لديهم سندا دوليا ومؤسسيا يحميهم ويؤيّدهم، ولا يخشون عقابا من أحد.
يعاني الصالحون من وطأة المقارنة الظالمة مع المجاهرين بالسوء، حيث يرون الفاسدين يحققون كل مكاسب الدنيا بينما هم يكدون ويتعبون دون أن ينالوا شيئاً؛ الطالب الذي لا يغش يرى أقرانه الغشاشين يتفوقون عليه، والشاب الذي يعمل بأمانة يرى زملاءه المرتشين يتقدمون في وظائفهم، والفتاة المتحجبة ترى المتبرجات يتزوجن ويحظين بفرص العمل. هذه المقارنات الظالمة تدفع بالصالحين إلى التساؤل: لماذا يلتزمون بالقيم والأخلاق وهم الخاسرون في كل شيء؟ ولماذا يتمسكون بالمبادئ وهم المحرومون من كل شيء؟
ففي عالم يسوده الغش في كل شيء، يصبح السؤال المطروح؛ كيف للمرء أن يفوز وهو الوحيد الذي لا يغش؟ فالمشاركون في أية مسابقة، إذا علموا أن غيرهم يغشّون، لن يتردّدوا في الانخراط في لعبة الغش حفاظا على فرصهم في الفوز، لأنهم يخشون أن يكونوا الخاسرين الوحيدين في ميدان يتبارى فيه الجميع على الغش. يقول الفرد أن عليه أيضا أن يغش حتى يستطيع مجاراة اللعبة، وإلا سيكون المتخلّف الوحيد، وسيخسر كل شيء. وهكذا، يغدو الغش ضرورة اجتماعية وظاهرة جماعية، حيث يتسابق الناس على من يكون الأكثر مهارة في التزوير والكذب والخيانة، وكأنها مهارات ترفع من قدرهم.
وهكذا، يجد الصالحون أنفسهم في مأزق حقيقي؛ إما أن يظلّوا على استقامتهم ويخسروا كل شيء، أو أن ينحرفوا مثل الآخرين ويحققوا مكاسبهم الدنيوية. وهذا الضغط الاجتماعي والمؤسسي يدفع كثيرا من الصالحين إلى التراجع عن مبادئهم، والانحدار إلى مستوى الفاسدين، لأنهم لا يجدون سبيلا للفوز في نظام يكافئ الفساد ويعاقب الاستقامة. يقول أحدهم أنه اتّكل على جهده، فلم يحصل على سيارة ولا منزل ولا عمل، بينما الكذّابون والغشّاشون حصلوا على كل شيء. وهكذا يقرر أن يتبع طريقهم الفاسد، ويغشّ ويكذب ويسرق، حتى يحقّق ما بلغوه، ثم يزعم أنه سيتوب ويعود إلى طريق الاستقامة بعد أن يجمع ما يكفيه لعيش حياة رغيدة.
يلجأ كثير من المجاهرين بالسوء إلى خطة تبريرية خادعة، يزعمون فيها أنهم سيمارسون الانحراف بكل مستوياته في مرحلة ما من حياتهم، ثم سيتوبون ويعودون إلى طريق الصلاح بعد أن يجمعوا ثرواتهم ويحققوا أهدافهم. فيسرقون ثم يقولون أنهم سيتوبون بعد أن يجمعوا المال، ويزنون ثم يقولون أنهم سيتوبون بعد أن يستمتعوا بالنساء، ويغشّون ثم يقولون أنهم سيتوبون بعد أن ينجحوا. وهذا النهج التبريري يشبه ما فعله اليهود من قبل، حين حرّم الله عليهم شحوم الأنعام، فاحتالوا عليها ببيعها وأكل أثمانها، ثم زعموا أنهم يلتزمون بأمر الله لأنهم لم يأكلوها، وإنما باعوها واستفادوا من ثمنها. وهكذا، وجدوا طريقة ملتوية للالتفاف على النهي الإلهي، بينما كانوا في الحقيقة يستهزئون بأمر الله ويتلاعبون بحدوده مع الاحتفاظ بشعور زائف بالبراءة والطاعة.
فتأتي المرأة التي تخلع حجابها وتتبرّج وتفعل كل ما تشتهي، ثم تتزوّج وتنجب أطفالاً وتستقرّ، فتصرح أنها الآن ستضع الحجاب وتلتزم بالدين. كذلك يأتي الرجل الذي يسرق ويكذب ويرتشي حتى يجمع ثروته ويؤسّس شركاته، ثم يقول أنه الآن سيطلق لحيته ويرتدي لباس الملتزمين ويعود إلى طريق الصلاح. والمشكلة في هذا النهج أنه يتجاهل حقيقة أساسية؛ أن البداية الصحيحة هي شرط أساسي للنهاية الصحيحة. فمن يبدأ طريقاً بالحرام، لا يمكنه أن يدعي أنه يسير في طريق الحلال، حتى لو غيّر وجهته في النهاية. إن الأموال التي جمعت من رشوة أو سرقة أو غش، تبقى حراماً وإن أنفقها صاحبها في صدقات وخيرات. والعلاقات التي بنيت على الزنا والانحراف، تبقى محرمة وإن تلبّس أصحابها رداء التقوى.
الحقيقة التي يغفل عنها هؤلاء المجاهرون، أن التوبة الحقيقية تتحقق بالعودة إلى الصفر، والتخلص من كل ما تم جمعه من حرام، والبدء من جديد بالجهد الخالص والكسب الحلال. فمن أراد أن يغفر الله له، فعليه أن يتخلّص من كل الأموال الحرام، وكل الممتلكات المشبوهة، وكل الإنجازات المبنية على الغش والكذب والخيانة. يستحيل أن يقوم صرح التقوى على دعائم الإثم؛ فالبناء يحمل دائما طبيعة أساسه، والجذور تورث ثمارها. فالأساس الفاسد يفضي إلى بناء متداع، والجذور المسمومة تخرج ثمارا خبيثة. ومن ابتغى النجاة، فطريقه يبدأ بتصحيح الأساس، وإعادة تشييد حياته على دعائم التقوى والاستقامة، والقناعة بالكسب الحلال مهما كان يسيرا، والثبات على الطريق القويم مهما بلغت مشقّته.
يقول المثل: "من بدأ بالحرام، لا يبارك له في التمام". فلو جمع الإنسان ثروة طائلة من الرشوة والسرقة والغش، ثم تاب وآمن، فإن هذه الثروة تبقى حراماً، وعليه أن يتخلص منها ويعمل من جديد بكده وجده، حتى يكون كسبه حلالا وطعامه طيبا. "أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ".
تؤدي المجاهرة بالسوء إلى تغييب الاستنكار، فيصير المنكر عاديا والمعروف دخيلا. وبمرور الزمن، يختل ميزان القيم، فيأمن الظالم إذ لا رادع له، ويغدو المحق غريبا أو منبوذا لمخالفته السائد.
وبعد أن كان حالة شاذة أصبح ظاهرة عادية، ومن ظاهرة عادية أضحى ثقافة متوارثة. وهكذا، ينشأ الأطفال في بيئة يرون فيها الكبار يمارسون الرذائل دون خجل أو رادع، فيكبرون معتقدين أن هذه هي طبيعة الحياة، وعليهم أن يبحثوا عن قدواتهم بين الفاسدين والمفسدين والمتجاوزين.
الثقة هي أساس أي علاقة اجتماعية ناجحة، وهي الرابط الذي يربط أفراد المجتمع بعضهم ببعض. عندما تنتشر المجاهرة بالسوء وتصبح ممارسة شائعة، فإن الثقة تتهاوى بين الناس، فلا يثق المواطن بحكومته، ولا الزوج بزوجته، ولا التلميذ بمعلمه، ولا المريض بطبيبه. وهكذا يمسي المجتمع غابة يتنافس فيها الأفراد على حساب بعضهم، وتسود فيها الأنانية والمصلحة الشخصية على حساب المصلحة الجماعية.
ينمو المجتمع ويتطور بوجود قدوات حسن

تعليقات
إرسال تعليق