في حلقة استثنائية اتسمت بالعمق القانوني والرصانة المهنية، نجح الدكتور نادر الصيرفي، المحامي ومقدم برنامج «قضيتي» على قناة الشمس 2، صباح الخميس 9 يوليو، في تقديم واحدة من أهم الحلقات التي ناقشت مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، وذلك باستضافته الأستاذ رمسيس النجار، المحامي بالنقض، ومستشار الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وأحد أبرز المدافعين عن الحريات الدينية في مصر، في حوار وصفه كثير من المتابعين بأنه «لقاء السحاب».
ولم يكن هذا الوصف من قبيل المبالغة، بل جاء تعبيرًا عن لقاء جمع بين جيلين من كبار المتخصصين في قوانين الأحوال الشخصية للمسيحيين؛ جيلٍ أسهم في تأسيس كثير من المبادئ القانونية التي تحكم هذا الملف، يمثله الأستاذ رمسيس النجار، وجيلٍ حمل الراية بعده، وكرّس سنوات طويلة لدراسة هذا التخصص والدفاع عنه، يمثله الدكتور نادر الصيرفي.
وقد عكس اختيار الدكتور نادر الصيرفي لضيف الحلقة رؤية إعلامية وقانونية واعية، فبدلاً من الاكتفاء بطرح الآراء المتداولة، اختار أن يفتح هذا الملف الشائك مع أحد أهم مراجعه القانونية وأكثرها خبرة، في رسالة تؤكد أن برنامج «قضيتي» لا يكتفي بإثارة الجدل، وإنما يسعى إلى تقديم نقاش قانوني رصين يستند إلى الخبرة والتخصص.
وأدار الدكتور نادر الصيرفي الحوار باحترافية عالية، حيث جاءت أسئلته دقيقة ومتسلسلة، وانتقلت بالمشاهد من المحاور الدستورية إلى الإشكاليات التشريعية، ثم إلى التطبيقات العملية والآثار المترتبة على نصوص المشروع، بما أتاح للضيف عرض رؤيته بصورة واضحة ومتكاملة، بعيدًا عن المقاطعات أو الإثارة الإعلامية، وهو ما منح الحلقة قيمة علمية وقانونية متميزة.
وكان اللافت في الحلقة أن الحوار كشف عن مساحة واسعة من الاتفاق بين جيلين مختلفين في العمر والخبرة، حول وجود إشكاليات جوهرية في مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، الأمر الذي أضفى على النقاش أهمية خاصة، باعتباره لم يكن مجرد تبادل لوجهات نظر، وإنما حوارًا بين خبرتين قانونيتين التقتا عند عدد من الملاحظات الجوهرية على المشروع.
وخلال اللقاء، طرح الأستاذ رمسيس النجار مجموعة من التصريحات التي أثارت اهتمام المتابعين، معبرًا عن رؤيته القانونية للمشروع، ومن أبرز ما جاء في حديثه:
أولاً: أن مشروع القانون – وفقًا لرؤيته – يخالف أحكام الدستور والقانون العام والنظام العام، بما يستوجب إعادة النظر في عدد من نصوصه.
ثانيًا: أن المشروع أدى إلى تشتيت الشريعة المسيحية من خلال التوسع في مفهوم «خصوصية الطوائف»، بما قد يؤدي إلى اختلاف الأحكام القانونية بين المواطنين المسيحيين بصورة غير مسبوقة.
ثالثًا: أن حذف نظام التبني من المشروع جاء – بحسب رؤيته – في إطار توافقات هدفت إلى تمرير مشروع القانون، رغم ما يمثله هذا النظام من أهمية لدى العديد من الطوائف المسيحية.
رابعًا: أن المشروع تأثر في عدد من نصوصه بأحكام مستمدة من الشريعة الإسلامية، بما أثار تساؤلات حول مدى تعبيره عن فلسفة الأحوال الشخصية للمسيحيين.
خامسًا: أن المشروع لم يأخذ بالوسائل العلمية الحديثة في مسائل إنكار النسب، رغم التطور العلمي الذي أصبح يمثل أداة حاسمة في مثل هذه المنازعات.
سادسًا: أن المشروع خلا من نصوص تنظم وتحمي الأطفال من تغيير ديانتهم بمجرد إسلام أحد الوالدين، وهي من القضايا التي ظلت محل جدل قانوني ومجتمعي لسنوات طويلة.
سابعًا: أن تنظيم الميراث وتحديد الأنصبة – وفقًا لما عرضه خلال الحلقة – لا يستند إلى الشريعة المسيحية، وإنما تأثر بقواعد أخرى، وهو ما يستوجب إعادة مناقشة هذه الأحكام.
ثامنًا: أن المشروع لم يساوِ في آثاره القانونية بين الزنا والزنا الحكمي، كما لم يساوِ بين الموت الحقيقي والموت الحكمي، وهو ما اعتبره من أوجه القصور التشريعي التي تحتاج إلى معالجة.
ولعل القيمة الحقيقية لهذه الحلقة لم تكن في قوة التصريحات وحدها، وإنما في الطريقة التي أُدير بها الحوار؛ إذ استطاع الدكتور نادر الصيرفي أن يحول الحلقة إلى منصة قانونية متخصصة، تجمع بين التحليل الدستوري والفقهي والتشريعي، بعيدًا عن الانفعال أو الجدل غير المنتج، وهو ما يعكس نضجًا إعلاميًا وقانونيًا في تناول أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا.
كما أكدت الحلقة أن النقاش حول مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين لم يعد قاصرًا على الخلافات الطائفية أو الكنسية، بل أصبح نقاشًا دستوريًا وقانونيًا بامتياز، يشارك فيه كبار المتخصصين، انطلاقًا من الحرص على أن يصدر قانون يحقق العدالة، ويحترم الدستور، ويعبر عن المبادئ المنظمة للأحوال الشخصية للمسيحيين.
وقد رسخت هذه الحلقة مكانة برنامج «قضيتي» بوصفه منبرًا قانونيًا متخصصًا يفتح الملفات الشائكة بحياد ومهنية، كما أكدت قدرة الدكتور نادر الصيرفي على إدارة حوارات مع كبار القامات القانونية، واختيار ضيوف يمثلون قيمة علمية حقيقية، بما يثري الحوار العام ويقدم للمشاهد مادة قانونية رفيعة المستوى.
ولذلك، استحقت هذه الحلقة أن توصف بحق بأنها «لقاء السحاب»؛ لقاء جمع بين الخبرة الممتدة والرؤية المعاصرة، وأكد أن الحوار العلمي الرصين يظل الطريق الأمثل لمناقشة القوانين المصيرية التي تمس الأسرة والمجتمع.

تعليقات
إرسال تعليق