المحكم ياسر عبدالله يكتب..
لم يكن تدشين الأوكتاجون مقر القيادة الإستراتيجية الجديد مجرد إفتتاح لصرح معماري وعسكري فريد يصنف الأحدث والأكبر في المنطقة بل كان إعلانا سياسيا وإستراتيجيا بإمتياز يحمل في طياته ملامح حقبة جديدة من النفوذ والقوة لجمهورية مصر العربية ففي هذا الحدث الإستثنائي لم يتحدث فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بلغة الأرقام والمباني فحسب بل صاغ بكلماته الموزونة وظهوره المهيب عقيدة الدولة الحديثة فلقد جاء هذا المحفل ليرسم ملامح القوة المصرية موجها رسائل بالغة الدقة والعمق، قُرئت في عواصم القرار الإقليمي والدولي بتمعن شديد واضعا خطوطا عريضة لا تحتمل اللبس ورسائل خفية ذكية لعل أبرزها ما حملته "الرسالة البصرية" لسيادته وهو يرتدي بديلته العسكرية.
أولا : الخطوط العريضة وملامح العقيدة الاستراتيجية المصرية
فلقد رسم الرئيس السيسي في حديثه ملامح واضحة للسياسة المصرية في المرحلة المقبلة وتلخصت في ركائز أساسية منها مفهوم الأمن القومي الشامل و تجاوز الخطاب المفهوم التقليدي للأمن العسكري ليربطه مباشرة بالتنمية الإقتصادية والوعي المجتمعي والإستقرار السياسي فلا تفوق عسكري بلا إقتصاد قوي يحميه ولا تنمية بلا درع وسيف يصونها وأيضا إمتلاك أدوات الردع الحديثة فلقد ركزت الخطوط العريضة على أن تحديث القوات المسلحة المصرية والإنتقال إلى "الأوكتاجون" ليس رفاهية بل هو ضرورة حتمية لإمتلاك أدوات الردع الذكي القادر على إدارة الأزمات المعقدة في بيئة إقليمية مضطربة وأيضا إستقلالية القرار الوطني فلقد أكد الخطاب من خلال هيبة المكان وصياغة الكلمات أن القرار المصري نابع بالكامل من مصالحها العليا وأن "الجمهورية الجديدة" لا تقبل الإملاءات أو الضغوط من أي جهة كانت.
ثانيا : دلالة إرتداء فخامة الرئيس للزي العسكري الرمزية والهدف
لم تكن الرسائل في حفل إفتتاح "الأوكتاجون" شفهية فحسب بل كانت رسائل بصرية بإمتياز تمثلت في ظهور فخامة الرئيس مرتديا بدفوعه وعلاماته العسكرية كقائد أعلى للقوات المسلحة هذا الظهور الإستثنائي له أهداف ودلالات إستراتيجية ونفسية عميقة لتأكيد القيادة والسيطرة من قلب عقل الدولة والهدف هنا هو إرسال إشارة قاطعة بأن رئيس الدولة يباشر مهامه كـقائد أعلى للقوات المسلحة من داخل المقر الإستراتيجي الجديد وإرتداء البدلة العسكرية في هذا التوقيت يمنح الحدث صبغة شرعية وعسكرية قصوى تؤكد أن إدارة منظومة الأمن القومي المصري تتم بأعلى درجات الإنضباط والجاهزية. ونري رسالة "الردع البصري" في ظل إضطرابات الإقليم فالزي العسكري في علم السياسة والحروب هو لغة صامتة تعني الجدية المطلقة و الرسالة الموجهة للخارج هي أن مصر قيادة وجيشا وشعبا في حالة تأهب وإستعداد تام لحماية مقدراتها و إرتداء الزي في عقر دار القيادة الإستراتيجية يقطع الطريق على أي أوهام لدى أي أطراف إقليمية أو دولية قد تظن أن مصر منشغلة بملفاتها الداخلية عن حماية حدودها ومصالحها الحيوية وأيضا لتعزيز الروح المعنوية وتلاحم الجبهة الداخلية تخاطب هذه الخطوة الوجدان المصري فالشعب الذي يثق في جيشه يرى في رئيسه بالزي العسكري رمزا للأمان والحماية والهدف هو بث الطمأنينة في نفوس المواطنين والتأكيد على أن عقيدة الجيش والقيادة هي عقيدة فداء وبناء في آن واحد وأن الشدائد الإقليمية المحيطة بالبلاد تدار بعقول عسكرية محترفة.
ثالثا : الرسائل الخفية والموجهة ما بين السطور
إن القوة الحقيقية للخطاب والحدث تجلت في الرسائل المشفرة التي تعاضد فيها الكلام مع دلالة الزي العسكري فالرسالة الأولى إلى القوى الخارجية هي معادلة القوة الجديدة حيث أن دمج "الأوكتاجون" كمركز سيطرة عالمي مع ظهور الرئيس العسكري يقول للعالم مصر لا تهدد أحدا ولكنها قادرة على سحق أي تهديد "الأوكتاجون" ليس مجرد مبنى بل هو عقل مركزي يدير كافة الإتجاهات الإستراتيجية في نفس اللحظة وهو ما يعني جاهزية مصر التامة لكل السيناريوهات المفاجئة وتأتي الرسالة الثانية إلى المراهنين على إضعاف مصر إقتصاديا فبناء وإدارة مشروع بهذا الحجم والتطور التكنولوجي الفائق يعكس صلابة الدولة والرسالة الخفية هنا إذا كانت البدلة العسكرية ترمز للحرب والردع فإن القدرة على بناء هذا الصرح ترمز إلى تفوق العقل الإقتصادي والتنموي للدولة ومصر قادرة على الجمع بين التنمية والجاهزية القتالية تحت أصعب الظروف
في ختام حفل الإفتتاح بات واضحا أن "الأوكتاجون" ليس مجرد مقر جديد لوزارة الدفاع بل هو العقل المدبر لمصر الحديثة فلقد نجح الرئيس عبد الفتاح السيسي – بكلماته الحاسمة وظهوره العسكري المهيب – في تحويل المناسبة إلى منصة إستراتيجية أرسل من خلالها رسائل سياسية وعسكرية عابرة للحدود مفادها أن مصر صاغت معادلة جديدة للقوة في الشرق الأوسط تلتحم فيها هيبة القيادة العسكرية مع طموح الدولة المدنية الحديثة لتبقى الدولة المصرية دائما وأبدا رقما صعبا يحظر التلاعب بمقدراته.

تعليقات
إرسال تعليق