القائمة الرئيسية

الصفحات



الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني

دولة الجزائر


دراسة تحليلية اجتماعية نفسية تربوية


طفولة بنت كركوك المستباحة تحت مقصلة القانون والصمت؛ بشاعة التستّر الاجتماعي والتهاون التربوي تتجلى في أقصى صورها الفاجعة من خلال واقعة العراق الأليمة، التي اهتز لها الضمير الإنساني والرأي العام العالمي؛ حيث أقدم طفلان يبلغ أحدهما من العمر عشرة أعوام والآخر أحد عشر عاما، باستدراج طفلة بريئة لم تتجاوز ربيعها الثالث، وهي ابنة جيرانهم المقابلة لمنزلهم. حيث اقتادوها إلى منزل أحدهما، إن هذه الفاجعة تكشف عن أزمة بنيوية مركبة؛ فالتحقيقات تفيد بأن والدة أحد الصبيين قد عاينت وجود الطفلة معهما في المنزل واكتفت بطلب إرجاعها إلى بيتها، مفرّطة في واجب المبادرة الأخلاقية والاتصال الفوري بأهل الطفلة لحمايتها من مصيرها الأسود. مما يمثل أولى حلقات التفريط والتستر السلبي؛ الصبيان اقتادا الطفلة إلى مركز للشباب يبعد زقاقين عن منزل الضحية، متسللين من تحت سياج سلكي يحيط بالمركز، وصولا إلى المسبح التابع له. هناك، أقدما على الاعتداء جنسيا على الطفلة، وعندما بدأت بالبكاء والصراخ ذعرا وألما، فدفعاها إلى حوض السباحة لتفارق الحياة غرقا وترتقي روحها الطاهرة إلى بارئها خنقا بالماء. 


كما كشفت التحريات الأمنية عن بيئة أسرية مأزومة؛ إذ إن والد الصبي الأول سجين بتهم تتعلق بالإرهاب، بينما قتل والد الآخر في مواجهات مسلحة مع قوات الأمن. والأدهى من ذلك ما أدلى به الصبيان من اعترافات صادمة حول اعتيادهما ممارسة فاحشة اللواط معا، في ظل غياب تام للرقابة الأسرية.

وهنا تظهر الآثار المدمّرة ''للتستّر" والتهاون المؤسّساتي والأسري؛فالصبيان حين يدركان خلو سبيلهما من العقاب والردع بعد اقترافهما أفظع الموبقات من اغتصاب وقتل لطفلة في عمر الزهور، يرسخ لديهما ولأقرانهم شعورا بالحصانة؛ ويتشرّبون الجرأة على تكرار الفظائع مستقبلا، فمن أمن العقوبة أساء الأدب، ومستقبلا سيستسهلون اقتراف الموبقات وتكرار الجريمة، مما يضع سلامة الجيل الصالح مستقبلا في خطر داهم ومستمر.


تتأصّل ظاهرة كتمان الحقائق

في واقع المجتمعات العربية كجزء بنيوي من تفاصيل الحياة اليومية، حيث بات السكوت على الخطأ وحتى الموبقات سلوكا راسخا. بالنظر إلى السياق التاريخي والرسالي، فقد آلت الأمانة إلى هذه الأمة كمستودع الرجاء عقب إخفاق الأمم السابقة التي حادت عن الجادة وغرقت في الانحراف؛ بيد أن الواقع الراهن يثبت سقوط الأمة الحالية في دركات من السوء تفوق ما سلفها. إنها أمة تقترف الفظائع وتصرّ على إبقائها طيّ التستّر، مبدية رفضا قاطعا لأي مراجعة أو حوار. يتبدى ذلك في غضب المخطئ عند مواجهته بزلّاته، مستكبرا عن التقويم، حتى أنه يمعن في غيّه ويكرر خطأه بكل صلف.


فالتجاوزات التي حجبت داخل البيوت عقودا طالها مقتضى الوظيفة والمسؤولية، إذ يكشف الفحص الدقيق للمؤسّسات عن عمق الأزمة؛ حيث تجعل القائمون على الشأن العام إلى متاجرين بالمسؤوليات المناطة بهم؛ وقد انتشر هذا الكتمان ليشمل القطاع الصحي، اذ يتم التلاعب بكمية الأدوية وبيع المستلزمات الطبية، إخفاء الأخطاء الطبية القاتلة، وتحويل المظالم في القطاع القضائي إلى سلع تباع وتشترى بالرشاوى المستمرة، والقطاع الإداري بتزوير الشهادات والوثائق الرسمية، وصولا إلى الجامعات والمؤسّسات الأمنية والعسكرية التي تتاجر بالحقوق والشرف والثروات تحت حماية جدار الصمت المطبق.

استباحة ثروات الأوطان وتسخير المقدرات لصالح المنافع الشخصية. تعديل وتهجين المنتجات، والتحكّم في ثمن الصادرات والواردات، والتلاعب بالفواتير الرسمية.

مقايضة استخراج الوثائق بالرشاوى والحصص المالية اختصارا للوقت والمجهود.

 انحدار الممارسات لدى بعض الأكاديميين إلى حد استغلال الطلاب وممارسة الابتزاز الأخلاقي ضدهم، وصولا إلى انتهاكات سلوكية شائنة شاذة تطال الناشئة داخل العديد من المؤسسات الأمنية والتعليمية.


إن تربّع "المسؤول" على رأس هذا الهرم الفاسد يجعل الأمانة الكبرى وسيلة للاغتناء غير المشروع، ونهب المقدرات، واستباحة الحقوق الواجبة للصالح العام.

تمارس هذه الانحرافات كافة تحت غطاء كثيف من الحجب والتدليس، وتواجه محاولات كشف الحقائق بالإنكار الشديد والغضب العارم، وقد ويتعدّى الأمر إلى تلفيق التهم الكيدية "للمصلحين" بغية إيذائهم وإجبارهم على الصمت المطبق، إيثارا لسلامة المفسدين وإدامة لباطلهم.

ويتعارض هذا السلوك كليا مع المقاصد الشرعية؛ فالدين يؤكد أن "الساكت عن الحق شيطان أخرس"، والشريعة الإسلامية والقرآن والسنة النبوية يرفضون رفضا قاطعا مهادنة الشرّ أو غضّ الطرف عن الفساد، لما يترتب على ذلك من تماد في الطغيان والخراب.

 

فالأسرة تعتبر النواة الأولى التي تزوّد المجتمع بهذا النوع من المسؤولين؛ فحين نلج إلى عمق الأسرة، نجد نمطا من التستّر المتبادل بين الأبوين؛

تحجب الزوجة شرور زوجها العنيف، أو السارق، أو القاتل، أو المتحرّش جنسيا. وبالمثل، يتكتّم الزوج على انحرافات زوجته، وربما يقبل بدافع الجشع دفعها نحو رذيلة الفاحشة لجني المال، أو يغضّ الطرف عن إهانتها للأبناء وتقصيرها المهني واقترافها الخيانة الإدارية في عملها.

تحت ظلال هذا الزيف، يترعرع الناشئة في أسرة كمفرخة للفساد،

وهم يراقبون آباءهم يحترفون إخفاء المخازي، فينشأ الجيل الجديد على الكذب، والفسوق، والشذوذ، مجيدا فنون الخداع.

 وفي حال تعرّض الأطفال لانتهاكات جنسية داخل المحيط العائلي من زنا المحارم، يجهد الأبوان لتسخيف الجرم ومواراته، مستبعدين العقاب الرادع الذي أقرّته الأديان لمواجهة الفواحش.


وربما يلجأ الأهل إلى إتمام زيجات صورية للضحايا من الإناث عبر تزويجهن برجال غافلين أو مسلوبي الإرادة لضمان استمرار المسرحية الاجتماعية كما يطلق عليهم في العرف الاجتماعي "حميد الستار"؛ ذات الأمر ينطبق على الأبناء الذكور الذين فقدوا رجولتهم وهويتهم جراء الاعتداءات، إذ يتم تزويجهم من نساء ريفيات ومن عائلات بسيطة مع جهلهن التام بحقيقتهم المخفية ترسيخا لغطاء التستّر، مما يجعل الأبناء ضحايا دائمين لضغوط الوالدين وسوء تربيتهم.


يتبدى المجتمع في ظلّ هذه السلوكيات كتفاحة بهيّة المظهر من الخارج، لكنها تخفي في جوفها عفنا وتآكلا وظلاما دامسا، جرّاء مسؤولين خونة وأسر مهترئة غاب عنها منطق التبليغ والإفصاح لصالح الكتمان الحذر. إن إغفال فضح هذه الانتهاكات يجعل الضحية بمرور الوقت يصير إلى جلّاد؛ فالرجل الذي استبيحت طفولته وانتهكت يغدو معتديا على غيره، والفتاة التي تعرّضت لرذيلة الزنا واغتصبت تمسي مستدرجة لغيرها، مما يورّث المجتمع حالة من التعفّن العام والرغبة في الانتقام المتبادل والمستمرّ.


يكمن الخلل في إيثار الصمت بدل المواجهة الجادة والعلاج الرادع من الجذور، وفي قلب الموازين عبر نصرة الظالم والضغط على المظلوم لدفعه نحو العفو القسري. وأمام هذا الخنوع العام، استأسد الظالمون وأضحوا طغاة يرفضون الحوار، ويجابهون النصح بالتعالي، مما يثبت افتقار المجتمع العربي أجمع للغة الإصلاح والتعاون البنّاء. فبدل إقرار معاقبة الأب المخطئ ليتعلّم الابن صون حقوقه، يؤمر الابن بالسكوت، فيتشرّب هذا الخنوع فيمسي بدوره مستقبلا ظالم يطالب الآخرين بالصمت والتستّر.


يتطلّب التقويم الحقيقي المبادرة إلى معاقبة الذات في حال غياب سلطة القانون أو غياب الردع الشرعي، تماشيا مع التوجيهات الأخلاقية السامية التي تحثّ على تزكية النفس وتطهيرها من الآثام عبر تحمّل التبعات والاعتراف بالذنب ومواجهته.


فحين تخطئ الأم في حقّ ابنتها وتبادر لمعاقبة نفسها والاعتراف بذنبها، ينشأ رادع نفسي لدى الابنة يمنعها من اقتراف الزلل خشية العواقب، وتتراجع عن الخطأ لوجود القدوة المحاسِبة. أما في حالة إصرار الأم على الخطأ وإجبار الأبناء على الصمت، فإن ذلك يدفعهم لارتكاب المعاصي بأضعاف مضاعفة. 


لقد ران العفن على قلب الأمة بأسرها، وبدت الحقائق مشاعا، فبرز الزاني، والمرتشي، والفاجر، والمبتذل، والشاذ، كإفراز طبيعي لبيئة نشأت على ليّ الحقائق وإنكار الزلات.

وحين يشبّ الناشئ على مرأى من والديه وهما يرفضان الاعتراف بالخطأ ويجابهان النصح بالإنكار، يتشرّب هذا السلوك ويكرره كآلية دفاعية مستدامة.


إن المسؤولين الطغاة هم نتاج طبيعي لأسر غاب عنها التقويم الأخلاقي، ونشأت على قلّة الأدب ودعم الظلم والكتمان والتغطية على السرقات والجرائم والفواحش، مما يجعل كسر طوق التستّر البداية الحتمية لكل إصلاح منشود.


أفضت سياسة التستّر والسكوت المتعمّد بالمجتمعات العربية إلى حصاد مرير تمثّل في الإخفاق الشامل والخسارة المدوّية على الأصعدة كافّة، حتى غدت هذه الأوطان ألعوبة في أيدي القوى الدولية، متذيّلة ركب الأمم. ولم يورّثهم هذا النهج إلا تراجعا ووهنا.


أما على الصعيد الأسري، فإن الزيجات القائمة على التدليس والتستّر كانت محكومة بالفشل الذريع، وهو ما يفسّر الارتفاع المهول في نسب الطلاق التي قاربت الحدود القصوى في البيئات العربية؛ حيث تبتدئ تلك العلاقات برغبة نفعية ومصلحة مؤقتة للحصول على غطاء اجتماعي أو صفة رسمية "مطلقة" أو "أم"، وما بني على مصلحة عابرة آل حتما إلى الشقاق عند أول اختبار للواقع. ثم إن معايشة الطرفين تكشف حقيقة الشريك؛ فمهما تباكى المرء مستعطفا في البداية لتغطية ماضيه، تظلّ العشرة كفيلة بهتك الأستار وإظهار السوداوية الكامنة، مما يعجّل بالانفصال الحتمي نتيجة استحالة التعايش مع جرم غير معالج، لتتضاعف في المحصّلة أعداد الأطفال المشوّهة نفسيا، وتتناسل القسوة، وتتّسع رقعة الفحش.


سقطت هذه المجتمعات تلقائيا دون حاجة إلى غزو خارجي مباشر أو إطلاق رصاصة واحدة؛ فالقوى المحيطة أدركت مدى تآكل البنية الداخلية بدءا من النواة الأسرية، مما جعل الهزيمة حتمية بفعل الجهل واستسلام الأفراد لغرائزهم البدائية، وغياب فكر الإنتاج، والتطوّر، والجهد الشجاع الذي تميز به الأجداد. لقد استبدل ذلك كلّه بآلية واحدة؛ كتمان الحقيقة والتلاعب بالوقائع.

إن إغلاق منافذ المكاشفة يشبه التغاضي عن عفن جداري وتغطيته دون اجتثاثه، مما يوفّر له البيئة المغلقة المثالية للتكاثر والاستشراء. ويتنافى هذا تماما مع المقاصد الشرعية للدين والتي أمرت بفضح الفاجر والتشهير بالمجرم زجرا للعامة، لتقليص الجريمة وتجفيف منابعها.


يتجلى هذا التيه في انشغال ملايين الحشود المسلمة بمباريات كرة قدم، وملاحقة العبث الملهي، والعودة بـ ''خفي حنين" جرّاء غياب التنشئة السليمة التي تربّي الأبناء على أن الحياة عبادة وبناء لا لهو ولعب. لقد أدركت القوى المهيمنة أن ضرب هذه الأوطان يمر حتما عبر تخريب الأسرة، بإيهامها أن إظهار الحقّ عار وفضيحة، وأن كتمان الاعتداء حكمة، بينما تتبنّى تلك القوى في بلدانها مناصرة المكاشفة وتشجيع المصلحين. فالمجتمع الذي يدفع الفتاة المغتصبة للصمت عن الفاعل الحقيقي والتستّر والبحث لها عن زيجة صورية لترقيع الجرم، إنما يصنع بيديه بؤرا للرذيلة مستقبلا. والأم التي تبتهج بجرأة ابنها على السرقة طفلا، تشرّع له الأبواب لنهب بيتها ومجتمعه كبيرا؛ فالانحرافات الكبرى من رشوة وزنا وشذوذ إنما هي ثمار رعاية الآباء لزلّات الطفولة وغضّ الطرف عنها حتى تضخّمت وخرجت إلى العلن.


تتعدّد الأدلّة الواقعية الصادمة على خطورة المواراة، ومنها القضية الشهيرة للطفلة التي تعرّضت لانتهاك من خالها، ورغم محاولات الأم والخالة إجبارها على الصمت بدعوى الستر، إلا أنها لجأت لأبيها فأفضت شجاعة الأب في إبلاغ السلطات إلى كشف سلسلة من الانتهاكات التاريخية القديمة التي مارسها الجاني مع الأم والخالة في صغرهما، ولولا الكشف لظلّت السلسلة مستمرة تمتد إلى الحفيدات. ويضاف إلى ذلك ما كشفه بعض الضحايا في ملفات الشذوذ والابتزاز الأخلاقي التي تورطت فيها شخصيات عامة وأئمة وإداريين، يمارسون الفاحشة في الخفاء ويطالبون المفعول بهم جنسيا بالصمت لإظهار بيوتهم ومؤسّساتهم بمظهر الصلاح والنزاهة الكاذبة.

يظنّ المتستّر واهما أنه يسدي معروفا أو يقدّم خيرا للمخطئ، مدفوعا باتباع الهوى ومخالفة الشريعة، بينما هو في الحقيقة شيطان أخرس يتواطأ مع شيطان آخر. إن التكتّم على الشذوذ عمّم الفاحشة، والتستّر على السرقة جعل النهب سلوكا عاما، والمواراة الكاذبة حولت المجتمع إلى مستنقع من الرذائل الكامنة التي غطّت على السطح.

إن محاولات الإصلاح الجزئي باتت غير مجدية في ظلّ استفحال هذا العفن الداخلي الشامل؛ فالمجتمع اليوم يشبه ثمرة فسدت من الداخل تماما وهي لا تزال معلّقة على غصنها، لينتقل الداء إلى الشجرة بأكملها، مما يمنع نضوج أي ثمار سوية، ويؤذن بسقوطها المتتالي وحتمية زوالها.


ينعكس هذا النمط الثقافي للتستّر على المعاملات اليومية؛ فيحصل الفرد على رخصة القيادة بالرشوة المالية ويتواطأ القاضي لإصدار صكوك البراءة للجناة، وهو سلوك ينعدم تماما في المجتمعات الغربية، والمسيحية، واليهودية، وكذا البوذية والهندوسية، حيث تحلّ المكاشفة الفورية محلّ الحجب، مما يمنح مجتمعاتهم القوة والسيادة.

في حين تشرّبت الثقافة في المجتمعات العربية عبارات الكتمان بدعوى نصرة القريب أو صون العائلة والمؤسّسة، غير أن هذا السلوك يشبه بدقة إحداث خرق في سفينة يلتزم ركّابها الصمت حيال الفاعل، فتؤول العاقبة إلى الغرق الجماعي والهلاك الشامل.

فتبدأ الكارثة المجتمعية عندما تشرّع الأسرة الحياد عن الطريق المستقيم؛ فالأبناء يتلقّون رعاية مطلقة من أمّهاتهم لتغطية سلوكيات الغشّ والتدليس بذريعة حماية مصلحتهم الشخصية، غافلات عن كون هذا التستّر المتعمّد مِعولا يهدّد أركان المجتمع بأسره. إن الأفراد الذين اعتمدوا كتمان التعنيف والاعتداء يمنح الجاني حصانة مطلقة؛ فإخفاء الزوجة لتعنيف زوجها يفضي في النهاية إلى ارتكابه جرائم تصفية تتلاشى أدلّتها بفعل الصمت المسبق وغياب التبليغ. حتى إن اعتياد التستّر قد يورث الناشئة جرأة على اقتراف أفظع الموبقات، كارتكاب جرائم قتل وإخفاء الجثث داخل فناء المنزل دون وجل، نتيجة غرس ثقافة التستّر منذ الصغر.

تتحكّم قاعدة التماثل الجرمي في سيكولوجية المواراة؛ فالأم تتستّر على قضايا الاعتداء الجنسي والشذوذ وزنا المحارم لكونها ضحية سابقة لحجب مماثل، إذ لا يقبل تغطية سلوك المجرم، والسفّاح، والزاني إلا من يماثله في الانحراف الفكري أو السلوكي، في حين يأنف الأصيل الصمت ويبادر فورا للتبليغ والمكاشفة.

وينطبق هذا الحكم على الزوجات والأبناء الذين يعاينون اقتراف أفراد الأسرة لجرائم بيع المخدرات، والمهلوسات، والمبيدات الكيميائية السامة واستخدامها بشكل غير قانوني في الزراعة، ويؤثرون السلامة السلبية والصمت.


فالساكت في هذه الحالة شريك كامل في الجرم يستحق نيل العقوبة الجنائية والأخلاقية ذاتها. إن المتستّر على القاتل قاتل، والموارب للزنا زان، والمغطّي للشذوذ شاذ، والحاجب للسرقة والرشوة سارق ومرتشي؛ فالمواراة تلازمية فعلية تقتضي مساواة الفاعل والساكت في التبعة والجزاء.


لقد فاق انتشار ظاهرة التستّر كل تصوّر عقلاني، حتى أفضى إلى خلل عميق في الأنساب داخل الأسر العربية. وتكشف الشواهد المعاصرة، عقب انتشار التحاليل الجينية، عن صدمات نفسية يواجهها الكثير من الآباء عند اكتشاف عدم صلة القرابة البيولوجية بأبنائهم، كما يُسلّط الضوء على واقعة مشهودة لزوج عاد لينشد العلاج في خريف عمره جرّاء عارض صحي، ليكتشف طبيا وعقمه الخِلقي منذ الولادة، ليفاجأ بأنه قضى أزيد من أربعين سنة ينفق من جهده، وماله، ودمه، وصحته على تربية خمسة أطفال أنجبتهم زوجته من سفّاح. طيلة عقود، كانت تمارس طقوسها التعبّدية وتصلي مستظلّة بجدار التستّر المطبق، متعمّدة حجب الحقيقة الصادمة حتى بلغ سن الستين من عمره، ممّا يمثل تماديا في الخداع ويقطع كل آماله الإنسانية في شيبته. هذا التمادي المتكرّر في إنجاب خمسة لقطاء ونسبتهم لزوج مخدوع يعكس قدرة فائقة على المواراة واحتراف التزوير الأخلاقي.

لقد أفضت الحرية الغريزية المطلقة وغير المنضبطة للطرفين تحت غطاء الكتمان إلى ولادة جيل لقيط ومشوه الهوية. إن هذا النمط من الحجب المتبادل أدى إلى فوضى عارمة واختلاط في الأنساب، مما جعل مفاصل هذه المجتمعات وحقائقها مكشوفة تماما، ومحطّ ازدراء المنظمة الصهيونية الاستخباراتية العالمية التي تبسط هيمنتها الرقمية والمعلوماتية، وتمتلك ملفات استقصائية تكشف زيف الهياكل الاجتماعية وتتحكّم بمجريات الأمور من وراء ستار، وتوظفها لإذلالهم كونهم أبناء حرام. بما في ذلك التلاعب بوعي الجماهير وتوجيه اهتماماتهم نحو العبث الرياضي والاستهلاكي.


عندما نُخضع ظاهرة التستّر للتحليل الشامل ضمن الخارطة الحضارية، نجد أن التواطؤ بالصمت يستوجب تماثلا مطلقا في العقوبة والجزاء بين الفاعل والمواري؛ فالساكت شريك بنيوي في الجريمة. ويتبدى هذا السقوط الأخلاقي في تلاشي المجتمعات التي تعانيه البيئات العربية، حتى باتت في مؤخرة الأمم؛

إذ يعاين المرء مأساة حقيقية تتمثل في تبلّد المشاعر الإنسانية تجاه القضايا المصيرية.

ويتجلّى في المظاهرات الحاشدة والدموع المسكوبة في المدارج الرياضية وعلى منصّات الملاعب، مقابل صمت مطبق وخنوع جمعي إزاء ما يتعرّض له الشعب الفلسطيني من إبادة وتنكيل؛ إن هذا الخلل الوجداني يعدّ صدمة للمنطق الأخلاقي، حيث غابت المسيرات المليونية الناصرة للحق، فلو وُجهت تلك الطاقة الوجدانية نحو نصرة القضايا العادلة لظفرت الأمة بنظرة شرف ورأفة إلهية، لكن الانشغال بالملهيات غدا غطاء لحجب الواقع المرير.


إن المجتمع العربي بات يبني مستقبله، وتجارته، وزواجه، وعلاقاته الإنسانية على محدّدات غريزية بحتة تشبه السلوك البدائي للحيوان الذي يتحرّك بدافع المأكل والتزاوج وتأمين العشّ لصغاره، دون امتلاك فكر الإنتاج، أو الإبداع، أو الاستشراف الحضاري.


أما التكتّم على انحرافات ذوي النفوذ فيقود حتما إلى تآكل البنية المؤسّساتية وإفلاسها التامّ. ويعتبر التستّر المحور الأساسي في دراسة سقوط الكيانات السياسية، لكونه الثغرة التي سمحت بنهب المال العامّ؛ وما شهدته الساحة العراقية من تبديد لآلاف المليارات واكتشاف الأموال المهرّبة في قنوات الصرف المائي والمخابئ السفلية والمستودعات يعود أساسا إلى تواطؤ موظّفي المصارف الذين آثروا الصمت وصانوا سرقات المسؤولين والبرلمانيين، إذ يضمن امتثال الموظّفين لمعايير التدقيق والنزاهة إحباط الاختلاس في مهده.

 هذا الخرق المدمّر يتّسع إلى النطاق الاستخباراتي؛ حيث يؤدي التكتّم على الجواسيس والعملاء إلى تسريب مفاصل الأمن القومي للدول الأجنبية، فتغدو الجيوش مكشوفة الجناح ويسهل تحييدها وإسكاتها.

ويتجلّى هذا التواطؤ حتى على المستوى الجيوسياسي والتحالفات الدولية؛ حيث تقف بعض الحكومات موقف المتفرّج العليم بالخطط العسكرية الموجّهة لقصف بلدان شقيقة، وتكتم تلك المعطيات الحيوية بدلا من إبلاغها للطرف المستهدف بغية إعداد العدّة، تاركة الجار لمصيره المحتوم ومحقّقة الهلاك للأمة التي يجمعها الدين والمصير.

كما يمتد جدار الحجب إلى الإعلام والصحف في الأوطان العربية، حيث يمارس الإعلاميون دورا منافيا لطبيعة مهنتهم والقائمة أساسا على التشهير بالفساد وكشف الحقائق. وتلتزم الصحافة المصوّرة، والمكتوبة، والمنطوقة صمتا مطبقا حيال تجاوزات المسؤولين وعفن الحكّام، لدرجة أن الكوارث والمفاسد الأخلاقية والسياسية لا تعرف تفاصيلها إلا عبر وسائل الإعلام الغربية، بينما يتجاهلها الإعلام المحلّي تماما كأنها لم تكن.

ويصل هذا التواطؤ إلى مستويات شديدة الخطورة عند تحالف أجهزة الأمن والقضاء مع السلطة الإعلامية لطمس قضايا هتك الأعراض والابتزاز الأخلاقي التي يمارسها ذوو النفوذ، وتعمّد مسؤولي تلك الأجهزة إلى إتلاف الأدلة الدامغة لتذهب القضايا أدراج الرياح.

وفي ظلّ انعدام كامل لهوامش التعبير الحقيقي التي تعني بالضرورة المكاشفة ورفع الغطاء عن الفساد، تواجه الأصوات المعارضة والمستقلّة التي تجرؤ على هتك أستار الممارسات الشائنة للنخب الحاكمة سواء تعلقت بملفات الانحراف الأخلاقي، أو تحويل الأوطان إلى ساحات مفتوحة للابتذال، أو نهب المقدرات ملاحقات صارمة تنتهي بالسجن أو التصفية البشعة، مما يبقي المجتمع محاصرا ومثقلا بفضائع تسودّ من سماعها الوجوه.

إن الحوادث التاريخية الكبرى التي هزّت الرأي العام الدولي والمحلّي كقضية تصفية الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده قد حظيت بتغطيات استقصائية ونقاشات واسعة النطاق في المنابر الإعلامية العالمية المستقلّة، لأنه كان سيكشف حقائق ممنوعة عن النظام الحاكم الفاسد والمستبدّ والمنتهك جنسيا والذي حوّل المملكة إلى بيت دعارة كبير. أو الحاكم المغربي الذي عرف عنه ممارسة الشذوذ الجنسي وكشف عنه الإعلام الغربي على إثر ظهوره في العديد من المناسبات المشبوهة، فهل سمعتم يوما الصحافة المغربية كتبت عنه أو فضحت ممارساته؟


 وإلى جانب الصدام الثقافي في بيئات الهجرة، يفسّر هذا الخلل البنيوي والتي يواجهها المهاجرون الأعراب في البيئات الأوروبية، حيث ترفض تلك المجتمعات سلوكياتهم وتلفظهم خارج منظومتها بفعل التناقض المعياري. فالتعامل الغريزي البدائي مع الحريات الشخصية لنساء شعوب المجتمع الأوروبي يقود إلى الاعتداءات عليهن في الشوارع بسبب تبرّجهن الظاهر لمفاتنهن، إضافة لاستباحة الممتلكات المتروكة في الأماكن العامّة بناء على غياب الرقابة المباشرة يعكس جهلا عميقا للرجل الأعرابي بمفهوم الأمان المجتمعي القائم على الضمير لا على الحراسة.

وعند ممارسة الأنشطة التجارية في المهجر، يغيب وعي المسؤولية البيئية فتتراكم المخلّفات والأوساخ، معتمّدين على مغالطة الكتمان وإلقاء اللائمة على الآخرين لتفادي المسؤولية، ليصطدموا في نهاية المطاف بالقوانين الصارمة والغرامات المالية التي تفرض المحاسبة الفورية، وتنهي عهدا من الفوضى السلوكية والهمجية التي اعتادوها في أوطانهم الأم تحت غطاء التستّر الذميم.


إن الصمت عن الرذائل يمثل ذروة السقوط الأخلاقي؛ كونه السلوك المفضّل للغواية الإبليسية التي تبتهج بحجب الفساد، لضمان تغلغله السري وتكاثره إلى حين تفشيه في الأرض. ومنه تكتسب عبارة "الساكت عن الحق شيطان أخرس" أبعادا بنيوية تنبّه إلى أن التستّر صنيعة شيطانية بامتياز. وبسبب هذا الخلل الثقافي، يواجه المصلحون والدعاة إلى المكاشفة بالتآمر والإقصاء، وينظر إليهم كمهدّدين للأمان الزائف، مما يفسّر مصيرهم المحتوم بين المغيّبين خلف القضبان أو تصفيتهم نهائيا.

 هذه العدائية تتجلّى في العلاقات البينية داخل الأحياء السكنية؛ فحين يكتشف أحد الجيران واقعة اعتداء جنسي من زنا المحارم داخل الأسرة المجاورة ويطالب بمعاقبة الجاني وقوفا مع الحق، تجده الأسرة مصدرا لتهديد استقرارها. وبدلا من تقويم السلوك، تلتفّ البيئة المتواطئة لحماية المعتدي وترك العنان له، مما يمهّد لتمدّد جرائمه لتطال "أبناء الجيران أنفسهم" بفعل الصمت والتشجيع الضمني.

إن المعتدي الذي يسلم من العقاب العائلي يستسيغ استباحة الحرمات المجاورة مطمئنا لغطاء الأم التي تبادر إلى تحذير المحيط من الشخص الناصح، بل وتسعى جاهدة لتلفيق التهم الكيدية وتشويه سمعته لإجباره على الرحيل من المحيط السكني. إنهم يرغبون في العيش وفق أهوائهم دون رقيب ولا عتيد، ويستعينون بزيجات ظاهرية لترقيع الفضائح، مما يجعل البيئة برمّتها بؤرة خطر دائم تهدد سلامة الجميع جراء تفشي الرذيلة والاحتفاء بها.


إن الخوف الحقيقي يجب أن يوجّه نحو الأفراد الذين يحترفون التغاضي عن صغائر الأمور؛ فالانحراف يبدأ يسيرا ثم يعظم، تماشيا مع الحكمة المأثورة للمسيح عليه السلام: "الأمين في القليل أمين أيضا في الكثير، والظالم في القليل ظالم أيضا في الكثير".


يظهر الاختلاف الصادم بين الثقافات في آليات التعامل مع النفس البشرية؛ فحين يلقى طفل حتفه في المجتمعات الغربية، يستنفر الرأي العام، وتستمر المطالبة بالمحاسبة والعدالة عقودا، وتبقى القضية حيّة في وعي الشعوب الغربية دون أدنى مواربة، نظرا لغياب ثقافة الكتمان لديهم. في المقابل، تجابه الحوادث المماثلة لآلاف الأطفال الأبرياء في البيئات العربية بعبارات التهوين والداعية إلى إغلاق الملفات خوفا من العار.


وبناء على هذا التعفّن الداخلي الذي طال كل المجتمعات العربية دون استثناء، يُصبح من الاستحالة بناء علاقات استراتيجية، لهذه البيئات في ميادين السياسة، والاقتصاد، والديبلوماسية، والعلاقات المصيرية؛ إذ لا يمكن الائتمان على عهود أو مواثيق في مجتمع بيئته قائمة على الخداع ويفتقر أفراده لليقين حتى في صون أسماء أبنائها ونسبهم، بفعل توطين التدليس.


إن العتق من هذه الهاوية يفرض سنّ قوانين رادعة وحاسمة لا تستثني المتستّر من العقاب، على غرار الأنظمة الصارمة التي تبيد البيئات الحاضنة للجريمة في بعض دول شرق آسيا ككوريا الشمالية، كآلية لتنظيف المجتمع مئة بالمئة من الخونة، والسارقين، والمرتشين، والشواذ؛ من خلال تسجيل أسماءهم في قوائم سوداء تعرض على العامّ حتى يحذرهم الناس،

وتتضاعف المفارقة والمسؤولية الأخلاقية بالنظر إلى أن المجتمعات العربية نزل عليها القرآن العظيم، لكن واقعها السلوكي يتناقض كليا مع التعاليم المشكوك في أنه تمّ قراءتها أصلا، مما جعلها في مؤخرة القائمة الحضارية جراء ممارستها لسياسة الازدواجية الأخلاقية.

لقد رسّخ النطاق النبوي الشريف مبدأ الحسم الأخلاقي والمكاشفة المطلقة في قوله؛ ''وأيْمُ اللهِ، لَوْ أنَّ فاطِمَةَ بنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَها''. 

إن حزم محمد الرسول يمثل الذروة في تقديس الحقّ العامّ ومحاربة المحاباة والتستر العائلي؛ وفي المقابل، يفتقر الواقع الراهن لأيّ أب أو أمّ يمتلك الشجاعة الأخلاقية لتقديم ابنه المقترف للجرم إلى ساحة العدالة لتنفيذ القصاص، بل يستميتون في الدفاع عنه وحجب أغلاطه، مما يؤكد أن كسر طوق المواراة العائلية هو الخطوة الأولى والوحيدة لاجتثاث العفن الداخلي وإعادة بناء كيان إنساني سويّ وقائم على الصدق والمكاشفة.

تعليقات