القائمة الرئيسية

الصفحات

 كيف تدار معارك الرأي العام في عصر حروب المعلومات؟



كتب/أحمد القطعاني 

 

 كانت الحروب تبدأ بإطلاق أول رصاصة… أما اليوم، فقد تبدأ بمنشور مجهول، أو مقطع فيديو مبتور، أو خبر عاجل يسبق الحقيقة بدقائق، لكنه يترك أثراً قد يستمر سنوات.

 

لم تعد المعركة الحقيقية تدور حول من يملك السلاح الأقوى، بل حول من يستطيع السيطرة على العقول، وصناعة الانطباعات، وتوجيه الرأي العام قبل أن تتضح الحقائق. ففي عصر الإعلام الرقمي، أصبحت المعلومة سلاحًا، والشائعة ذخيرة، ومنصات التواصل ساحات قتال لا تقل خطورة عن ميادين المواجهة التقليدية.

 

وفي خضم هذه البيئة المعقدة، تتعرض الدول، وفي مقدمتها مصر، لحملات متكررة من التضليل الإعلامي، تستغل كل أزمة أو حادثة أو معلومة غير مكتملة لتحويلها إلى مادة لإثارة البلبلة، وبث الشك، ومحاولة النيل من ثقة المواطن في مؤسسات دولته.

 

خلال الساعات الماضية، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنصات الإعلامية تداولاً واسعاً لأخبار وتحليلات حول أحداث مرتبطة بميناء دمياط، قبل صدور الصورة الكاملة أو انتهاء الجهات المختصة من تقييم الموقف وإعلان نتائجه. وسرعان ما تحولت بعض المنشورات إلى مادة خصبة للتأويل، ثم إلى شائعات، ثم إلى أحكام قاطعة، رغم أن أغلب من تداولها لم يكن يمتلك معلومة

موثقة واحدة.


ومن هنا، يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: كيف نميز بين الحقيقة والشائعة؟ وهل نملك أصلاً من المعلومات ما يسمح لنا بإصدار الأحكام؟ الإجابة ببساطة: لا. فنحن، وكذلك كثير من وسائل الإعلام والمتابعين، لا نملك المعلومات الفنية أو الأمنية أو الاستخباراتية التي تمكننا من إصدار الأحكام أو تحديد الأسباب أو توجيه الاتهامات. هذه مسؤولية مؤسسات الدولة وحدها، بما تمتلكه من خبرات وإمكانات وأدوات تحقيق وقدرات تقنية وأمنية.


الدولة المصرية ليست دولة ردود أفعال، وإنما دولة مؤسسات، لكل مؤسسة اختصاصها، ولكل أزمة آلياتها، ولكل معلومة مسارها القانوني والمهني. وعندما تقع أي أزمة، تتحرك الأجهزة المختصة وفق حسابات دقيقة، تجمع الأدلة، وتتحقق من المعلومات، ثم تعلن ما يثبت لديها بعيداً عن الانفعال أو الضغوط الإعلامية.


أما الخطر الحقيقي، فهو أن تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات لإدارة الأزمات بدلاً من المؤسسات المختصة، وأن يصبح كل مستخدم محللاً وخبيراً وقاضياً في الوقت نفسه. فهذه الفوضى لا تضر بالحقيقة فقط، بل قد تضر بالأمن القومي، وتمنح مروجي الشائعات فرصة لإثارة البلبلة والتشكيك وزعزعة الثقة.


فالغاية من حملات التضليل ليست دائماً إقناع الناس بالكذبة، بل يكفي أن تزرع الشك، وتربك المتابع، وتدفع المجتمع إلى الانقسام، لأن الدولة التي يفقد مواطنوها الثقة في كل شيء تصبح أكثر عرضة للاستهداف من الداخل، حتى دون إطلاق رصاصة واحدة.


إن استهداف مصر إعلامياً ليس وليد اليوم. فموقعها الجغرافي، وثقلها السياسي، ودورها الإقليمي، يجعلها دائماً في بؤرة الاهتمام، كما يجعلها هدفاً لحملات تضليل تسعى إلى تضخيم الأزمات، أو صناعة أزمات من وقائع لم تكتمل صورتها بعد، بهدف التأثير على الرأي العام داخلياً وخارجياً.

وهنا يجب أن نتعلم درساً مهماً. ليس كل خبر متداول حقيقة. وليس كل مقطع فيديو دليلاً. وليس كل من يرفع شعار"المعلومة الحصرية" يمتلك معلومة أصلاً.


إن الوعي الحقيقي يبدأ من التحقق، ومن انتظار البيانات الرسمية، ومن إدراك أن بعض الحملات لا تستهدف الحدث ذاته، بل تستهدف الثقة، والمعنويات، وصورة الدولة أمام مواطنيها والعالم.


ولا يعني ذلك الامتناع عن النقاش أو طرح الأسئلة، فالمجتمعات الواعية تناقش وتتابع وتراقب، لكن الفارق كبير بين السؤال المسؤول، وبين نشر الشائعة، وبين التحليل القائم على معلومات، والتحريض القائم على الظنون.


إن حماية الوطن ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، بل مسؤولية كل مواطن يرفض أن يكون أداة لنقل الأكاذيب أو تضخيمها دون تحقق. فالكلمة قد تبني الثقة، وقد تهدمها، والضغطة على زر "مشاركة" قد تكون أخطر من صاحب الشائعة نفسه.


وفي النهاية، تبقى مصر دولة قادرة بمؤسساتها الوطنية، وأجهزتها الأمنية والعسكرية والفنية، على إدارة الأزمات والتعامل معها وفق القانون والعلم والخبرة. أما دورنا نحن، فهو أن نتحلى بالوعي، وأن نمنح الحقيقة فرصة لتظهر قبل أن نصدر الأحكام. فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها أيضاً وعي أبنائها.


لقد أثبتت التجارب أن أخطر الحروب ليست تلك التي تستهدف الحدود، بل تلك التي تستهدف العقول. وإذا كانت مؤسسات الدولة تحمي الأرض، فإن وعي المواطن هو خط الدفاع الأول عن الوطن. فلنجعل من التحقق عادة، ومن المسؤولية منهجاً، ومن الحقيقة سلاحاً في مواجهة الشائعة. حفظ الله مصر، قيادة وشعباً، وحفظ وعي أبنائها، لأنه الحصن الذي لا يسقط.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات