المحكم ياسر عبدالله يكتب..
إذا أردت أن تهدم حضارة أمة فلست بحاجة لجيوش جرارة أو قنابل ذكية كل ما عليك فعله هو ضرب ثلاثة أركان إن سقطت تحول المجتمع إلى رماد الأسرة والتعليم والقدوة.
التاريخ لا يموت بل يُعيد إنتاج معاركه بأدوات أنعم وأشد فتكا في عالم اليوم لم تعد الحروب تقتصر على غزو الحدود بل تحولت إلى غزو العقول وتفكيك الهويات إن إسقاط الدول من الداخل هو العلم الخفي الذي يُمارس بعبقرية خبيثة حيث يجري إستهداف الصمامات الأمنية التي تحمي وعي الأمة وتضمن إستمراريتها فإذا أردت أن تفهم كيف ينهار مجتمع ما حتى النخاع تأمل هذه الثلاثية القاتلة:
أولا : هدم الأسرة (تسميم المنبع وإغتيال الأمومة) فالأسرة هي النواة الأولى والرحم الذي تُصنع فيه هوية الإنسان وقيمه ولكي تهدم هذه القلعة لا تحتاج إلى تفكيك الجدران بل إلى تغييب دور الأم فالآلية الخبيثة هي صناعة بروباجندا ممنهجة تجعل الأم تخجل من وصفها "ربة منزل" تصوير تفرغها لبناء جيل سوي وكأنه سجن أو تخلف أو إهدار للذات مقابل تمجيد الإستهلاك والركض وراء بريق وهمي والنتيجة عندما يتحول بناء الإنسان إلى مرتبة ثانوية في نظر المجتمع تترك الأم ساحة التربية الفكرية والنفسية لوسائل التواصل البديلة والشاشات الموجهة لتصبح النتيجة الحتمية هي جيل مشتت بلا جذور وبلا مرجعية أخلاقية.
ثانيا : هدم التعليم (إغتيال هيبة المعرفة) فالتعليم ليس مجرد حشو معلومات بل هو عملية تثقيف وصياغة عقول والمعلم هو العمود الفقري لهذه العملية ولكي تُسقط نظاما تعليميا عليك بإستهداف رمزية المعلم والآلية الخبيثة هي تهميش المعلم ماديا واجتماعيا وتقديمه في الدراما والإعلام كشخصية هزلية أو مثيرة للشفقة وتجريده من أدواته التربوية والضغط عليه حتى تفقد مهنته قداستها ويتحول إلى موظف يبحث عن لقمة العيش عوضا عن كونه منارة علم والنتيجة تصبح عندما يرى الطالب معلمه مهانا أو مستضعفا يسقط الإحترام وتتحول المعرفة في عين الطالب إلى سلعة رخيصة يستحقرها وبسقوط هيبة المعلم يحل الجهل المنظم وتتسطح العقول.
ثالثا : إسقاط القدوة (تصفية الوعي وصناعة التفاهة)
فالإنسان كائن يحاكي بطبعه ويحتاج دائما إلى منارة يتطلع إليها و إسقاط القدوة يعني قطع الخيط الأخلاقي والمعرفي الذي يربط الجيل الجديد بنوابغ أمته والآلية الخبيثة هي إبعاد العلماء والمفكرين والمصلحين عن المشهد وشن حملات التشكيك والطعن في نياتهم وتاريخهم لتشويه صورتهم وفي المقابل يتم ملء الفراغ بأيقونات زائفة وتصدير تافهي السوشيال ميديا كرموز للنجاح والثراء السريع والنتيجة عندما يصبح العالم والمفكر مهمشا ومتهما والجاهل متصدرا ومكرما يتوقف الشباب عن الإستماع لأهل الحكمة وتسقط الرغبة في التميز الحقيقي ويصبح المجتمع بلا بوصلة توجيه حقيقية .
الحقيقة التي يجب أن نستوعبها جميعا هي أن هذه الأركان الثلاثة متصلة ببعضها كأحجار الدومينو إذا سقط أحدها تداعى الآخر فالمعادلة واضحة ولا تقبل القسمة فغياب الأم الواعية + إختفاء المعلم المخلص + سقوط القدوات الحقيقية = سقوط حتمي للمجتمع.
إن الوعي بهذه المخططات هو الخطوة الأولى للمقاومة فحماية الأمومة كرسالة سامية وإستعادة هيبة المعلم كواجب وطني والإلتفاف حول العلماء والمفكرين كضرورة وجودية هي الثغور التي يجب ألا تُؤتى الأوطان من قبلها فالمعركة اليوم ليست معركة سلاح بل هي معركة بقاء الوعي.

تعليقات
إرسال تعليق