بقلم: محمد الشحات سلامة
في كل عام، ومع إطلالة الخامس من يونيو، لا تعود الذاكرة المصرية فقط إلى الوراء لاستحضار وجع الهزيمة، بل تمتد لتستلهم دروس البناء من رحم الانكسار. هذا العام، تأتي شهادة اللواء دكتور سمير فرج في جريدة "الأهرام" لتضعنا أمام وثيقة تاريخية وعسكرية لا تسرد الأحداث فحسب، بل تُشرح "الفلسفة الاستراتيجية" التي مكنت الدولة المصرية من استرداد كرامتها في وقت قياسي.
الوعي النقدي.. مدرسة للدروس المستفادة
ما يميز شهادة اللواءالدكتور سمير فرج -باعتباره شاهداً عيانياً ومخططاً استراتيجياً- هو جرأته في "نقد الذات". إن الإشارة إلى أخطاء القيادة في 1967، مثل غياب المهمة القتالية المحددة أو الافتقار لخطة انسحاب منظمة، ليست مجرد سرد لمواضع خلل، بل هي ممارسة لـ "الاستخلاص العلمي". إن التاريخ لا يُكتب لتمجيد البطولات فقط، بل ليتعلم القادة وصناع القرار كيف يمكن للارتجال الاستراتيجي أن يحول "مظاهرة عسكرية" إلى "كارثة قومية".
الشعب.. ركيزة "الاستنزاف"
يحلل الكاتب بدقة متناهية كيف أن نصر أكتوبر لم يكن "وليد لحظة 6 أكتوبر"، بل كان نتاج "حرب استنزاف" استمرت لست سنوات، قوامها الصبر الشعبي. إن مشهد التهجير من مدن القناة الثلاث هو أبلغ تجسيد لـ "عقد القوة" في الشخصية المصرية؛ حيث كان المواطن المصري يرى في أطلال مدينته جسراً للعبور، وفي صموده خلف جيشه سياجاً يحمي الدولة من الانهيار. هذا التلاحم هو ما يفسر لماذا لم تنجح الهزيمة العسكرية في كسر الإرادة السياسية.
التخطيط.. من "الجمود" إلى "جرانيت"
تتجلى في المقال أهمية العقل العسكري المصري الذي تطور من مفاهيم الحرب التقليدية المحدودة إلى استراتيجيات العبور المعقدة (خطة المآذن العالية). إن ذكر هذه التفاصيل يبرز التحول النوعي في التفكير الاستراتيجي المصري؛ فالتدريب ليل نهار على المعدات الجديدة، والفهم العميق لعقيدة العدو، هما الأدوات التي حولت "موانع طبيعية" (مثل قناة السويس) إلى مسرح لعملية عسكرية غير مسبوقة في تاريخ الحروب الحديثة.
رؤية استشرافية
إن قراءة اللواء سمير فرج للأحداث تعطينا درساً لا يصدأ: "مصر لن تُهزم ما دامت تمتلك جيشاً يراجع نفسه وشعباً لا يخذل وطنه". إننا اليوم، وفي ظل تحديات جيوسياسية متسارعة، أحوج ما نكون لاستحضار هذه الروح؛ حيث المعارك لم تعد عسكرية فقط، بل هي معارك وعي، وتنمية، وتماسك اجتماعي.
خلاصة القول:
إن مقال اللواء سمير فرج هو "درس في الوطنية المقترنة بالعلم". هو دعوة لنا جميعاً لنقرأ تاريخنا ليس كذكرى أليمة، بل كخارطة طريق لضمان بقاء الدولة المصرية قوية ومحصنة، مدركين أن "العبور" لا يتوقف عند ضفة القناة، بل هو حالة مستمرة من البناء واليقظة.
سؤال للنقاش: في عصر الحروب السيبرانية والذكاء الاصطناعي، هل ترى أن الدروس الاستراتيجية التي استخلصها الكاتب من حرب 1967 لا تزال صالحة للتطبيق على التحديات الأمنية المعاصرة لمصر؟

تعليقات
إرسال تعليق