الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني
دولة الجزائر
قراءة في بروتوكول الإذلال المنظومي؛ رسائل مشفّرة في الملاعب أثناء اللهو.
مع انطلاق فعاليات كأس العالم 2026 في أمريكا الشمالية، وبين الأضواء الصاخبة والاحتفالات الكروية العملاقة، بينما تحتفي "الولايات المتحدة، المكسيك، كندا" باستضافة أول نسخة مشتركة من بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026، والتي انطلقت للتو بمشاركة استثنائية لـ 48 منتخبا، كان العالم العربي والإسلامي والغربي على موعد مع مشهد صادم وغير مسبوق ولم تشهد له مثيلا في تاريخ الرياضة الدولية.
في خضمّ الدهشة من الصمت الرسمي المخزي التي اجتاح العالم بسبب وضع الأعلام على الأرضيات لتدوسها أقدام الناس، وفي خضم الانشغال بفضح إجراءات التفتيش المهينة بالكلاب البوليسية، وفي لحظة تعدّ محطة فارقة في تاريخ تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، فات على الجميع أن ينتبه إلى أبعاد أخرى؛ أعمق، وأكثر شرّا، وأكبر دلالة على ما هو آت في المستقبل.
إنه انزلاق في البروتوكول الدبلوماسي نحو منطقة مجهولة، حيث تتساقط الرايات الدولية من سماء التبجيل إلى أرضية الابتذال.
في قراءة تغوص في أسرار الدلالات الجيوسياسية التي يبثّها تنظيم بهذا الحجم في الفعاليات، الأعلام الوطنية على الأرضيات استفزاز مقصود، جعلت كلوحة تشكيلية سياسية كبرى، يرسمها عقل استراتيجي صهيو-أمريكي، تقرأ المستقبل بطريقة سادية وعبقرية في آن واحد.
كانت رسالة مبطّنة إلى العالم أجمع، تقول بلسان الحال؛
"كل الدول التي وضعت راياتها تحت الأرجل… قد سقطت سياديا وسياسيا وجغرافيا ومعنويا ولم تعد لها مكانة مستقبلا ولن تكون لها كلمة في أولاويات النظام العالمي الجديد.
أما الراية التي لم تتواجد هناك… فهي التي ستحكّم العالم غدا."
إذا "كرامة تلك الدول سحقت تحت الأقدام، وسيادتها لم تعد تساوي شيئا في الميزان".
هذه قراءة في لغة الرموز التي يتقنها الصهاينة ويتقنها من يخطّطون لـ"للنظام الابراهيمي".
ففي ثقافات الأمم، تحتلّ الراية مكانة حدودية بين المقدّس والسياسي؛ إنها التجريد البصري للتاريخ، والحضور المادي للسيادة. رفعها إعلان وجود، وإنزالها إعلان هزيمة، أما دوسها بالأقدام فهو إعلان "الإعدام الرمزي". ففي الحالة الطبيعية، ترفع الأعلام عاليا لتناطح السحاب وتقف لها الجماهير إجلالا، أما في مونديال 2026، فحدث الانقلاب؛ لتتحول العناوين الوطنية إلى ملصقات تمتهنها الأحذية.
وهنا تكمن العبقرية الخادعة في الرسالة الاستعمارية لتمرير التضليل البصري؛ حيث وضعت 48 راية على الأرض، تمثّل قارات العالم بأسره، بل إن الولايات المتّحدة الأمريكية "الدولة المستضيفة الأولى والراعي الرسمي للمنظمة الصهيو-إسرائيلية" وضعوا علمها الخاص على تلك الأرضيات ليداس مع البقية!
ولكن… أيّ الرايات ليست هناك؟
هذا هو السؤال الذي لم يطرحه أحد.
إذا كانت جميع الأعلام موجودة على الأرض… فأيّ منها رفعت إلى السماء؟
قد يقول قائل بجهالة؛ "إذا القضية تتجاوز التمييز، لأن أمريكا فعلتها بنفسها". وهذا هو الفخّ عينه! إن الدولة التي تحمي علمها بقوة القانون داخليا، تتنازل عن رمزيته مؤقتا في هذا الكرنفال لتصنع إيهاما بأن "الجميع في نفس القارب"، بينما الحقيقة الحارقة هي أن جميع الأعلام التي على الأرض هي رموز لدول "ساقطة" أو "منتهية الصلاحية" في المخيال السياسي الغربي-الصهيوني، تمهيدا لرفع راية الكيان الصهيوني لتهيمن على السماء مستقبلا فوق سقف النظام العالمي الجديد.
هذا المنطق يفسّر بوضوح سرّ منع رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، جبريل الرجوب، من الدخول؛ لأن وجود أي رمز لفلسطين الحرّة في المونديال سيفسد تلك الأطروحة، ويكسر الرسالة العبقرية الصارمة التي تحاول إقناع العالم بأن فلسطين شطّبت من جغرافيا المستقبل. إنهم يختبرون عتبة كرامتكم بسؤال ضمني؛ "كم يمكنهم إذلالكم قبل أن تتحرّكوا؟".
حتى الأعلام الغربية ودول الشمال الأوروبي وسويسرا دِيست بالأقدام، لأن الغرب العلماني المتطرّف وما بعد المسيحي قد تجاوز قدسية الرموز وتنازل عن سيادته لصالح عولمة متوحشة بلا أخلاق ولا أوطان ولا مقدّسات؛ عالم يسوده التفلّت والابتذال وتطمس فيه الهويات العليا للأمم والشعوب.
إن صمت الحكومات العربية والغربية أمام هذه الإهانة يسرد مفهوما واحدا بشكل مرعب؛ فهذه الحكومات تعلم أنها بالفعل باتت جزءا من "الدول الساقطة" في المعادلة الجديدة؛ الحكومات التي تبيع النفط والغاز بأبخس الأثمان.
الحكومات التي هرولت نحو التطبيع المخزي مع الكيان الصهيوني.
الحكومات التي تفتح أراضيها للقواعد العسكرية الأمريكية، وصادرت إرادة شعوبها، ومنعت الاحتجاج نصرة لأهل غزة.
إنها حكومات تعرف أن رايتها وضعت في الحضيض، وهي راضية ومستكينة، تظنّ واهمة أن هذا الهوان هو "ثمن البقاء" وحماية العروش، لكن التاريخ يكتب بنبض من نار ولن يرحم المتخاذلين.
هذا هو بالضبط المقصود بـ"نهاية الأمم" التي بشّر بها الصهاينة العالم. عالم بلا رموز عليا، بلا رايات شامخة، بلا مقدسات، بلا أوطان. عالم خاوية عروشه، يسوده التفلّت حيث كل شيء يباح. هذه هي "العلمانية المتطرّفة" التي يريدون فرضها على الدول.
إذا كانت الأعلام على الأرض نبوءة خطّطوا لها ليعلنوا عن سقوط دول العالم، فإن واجبكم المقدّس والوجودي هو إفشال هذه النبوءة وسحقها عبر خطوات عملية حازمة بلا تسويف؛
فضح هذه السيمياء السياسية الخبيثة، وكشف أن ما يحدث يمثّل مشروعا ممنهجا تقوم به الصهاينة لإعادة ترسيم خرائط النفوذ وإذلال الهويات.
مقاطعة هذا المونديال ومؤسسة "الفيفا"؛
لأن المشاركة في هذا الحدث المخزي حضوريا أو عبر الشاشات والمشاهدة هي قبول ضمني واعتراف أن الشعوب مجرد قطيع همجي، تقوده الصهاينة الأشرار نحو الهاوية وهو يصفّق ويرقص ودولهم تسقط تحت وطأة أقدامهم، أ يعقل أنهم ليسوا بشرا ولكن بهائم؟!
بهذه الرسالة المهينة التي تبثّها الصهيونية عبر أراضي أمريكا الشمالية المتواطئة تغيّر العالم بدون إطلاق رصاصة واحدة.
وعلى ضوء هذا الاستهتار الصارخ؛
على الجهات الرئيسية التحرّك الفوري خلال الساعات القادمة؛
ضدّ الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA واللجان المنظمة؛ لإزالة كل الأعلام من الأرضيات وبشكل عاجل، وتطهير الممرات برموز كروية محايدة، ورفع الرايات في الأماكن الشامخة التي تليق بشرف الذين ضحّوا من أجلها.
على الحكومات ووزارات الخارجية للدول المشاركة؛ تقديم مذكرات احتجاج رسمية وشديدة اللهجة للحكومتين الأمريكية والكندية، وتحريك دعاوى قضائية رسمية أمام المحاكم الدولية المتخصّصة بتهمة المساس العمد بسيادة الدول ورموزها وعقائدها.
هذه القضية يجب أن تتحرٌك على أعلى المستويات الدبلوماسية. فالصمت عن هذه الإهانة يعني الموافقة الرسمية على التنازل طوعا للسقوط.
وعلى جميع وكالات الأنباء والإعلام العربي والأحرار على المنصات الرقمية؛ تغطية هذه العار على نطاق واسع، وتخصيص برامج وملفات خاصة لفضح هذه الممارسات الدنيئة التي تتزامن مع بريق المونديال دون أدنى احترام لخصوصيات الشعوب وعقائدها. وخلق رأي عام عالمي ضاغط لإيقاف هذه المهزلة، فإما العزّة وإما وزر التاريخ!
فكيف تسمح عقولكم، أن كرة قدم تكون غطاء يمتطيه الأخطبوط الصهيوني لانتهاك كرامتكم ويمسح بها الأرض وبتاريخكم العريق؟ الكرة الآن في مرمى الضمير الغائب
والغير الحرّ، وفي مرمى القادة والجيوش والسفارات المتآمرة. على العالم "شعوبا، وحكومات"،
الشعوب ترى أنها تفوز في مباريات ولكن الواقع يقول أنها تخسر في حروب خفية،
وعليه فإما أن تقفوا وقفة رجل واحد لتوقف هذا التجاوز الممنهج الآن وبلا تأخير، وإما أن تتحمّل جميعها وزر السكوت المخزي الخسارة في المباريات عفوا ههههه، أقصد خسارة الحرب، أمام الأجيال القادمة، التي لن ترحم ولن تسامح من صمَت والنيران تشتعل تحت الأقدام!
المقاطعة الشاملة لكل فعاليات كأس العالم 2026 واجبة، حتى تحقيق المطلب.
والتظاهرات ضرورية، في العواصم الأمريكية والكندية والتحرك في واشنطن العاصمة، وأمام البيت الأبيض ومبنى الكونغرس، وأمام مقر الأمم المتحدة وميدان تايمز سكوير "الرمز الإعلامي العالمي"، لوس أنجلوس وأمام أمام ملعب "سوفي" وساحة هوليوود "رمز الاستضافة الكروية"، سان فرانسيسكو في وادي السيليكون للضغط إعلاميا ورقميا، وفي شيكاغو، هيوستن، ميامي، أتلانتا، فيلادلفيا، بوسطن، سياتل المدن التي فيها جاليات كثيفة.
وفي أوتاوا أمام البرلمان الكندي ومقر الحكومة، وفي تورنتو، مونتريال، فانكوفر مراكز الجاليات الكبرى.
مقاطعة حضور المباريات؛ لا تذكرة، لا دخول إلى أي ملعب. مقاطعة البضائع الراعية؛ لا منتجات "كوكاكولا، ماكدونالدز، فيزا، أديداس، هيونداي، قطر إيرويز" الراعية للفيفا. مقاطعة الإعلام الغربي المتواطئ؛ لا مشاهدات، لا متابعة، سحب الإعلانات من القنوات الناقلة.
مقاطعة وسائل النقل والإقامة؛ لا حجوزات في فنادق أو طيران مرتبط بالفيفا.
الأعلام_فوق_الرؤوس مونديال_العار_2026 الرايات_في_السماء سيادة_الدول_خط_أحمر مقاطعة_الفيفا_واجب

تعليقات
إرسال تعليق