بقلم: محمد الشحات سلامة
محرر إعلامي وصحفي
في لحظة تاريخية فارقة، لم تعد نيران الحرب في القارة الأوروبية محصورة في خنادق الجبهات أو خطوط التماس التقليدية، بل انتقلت لتُشعل سماء العواصم، لتعيد صياغة قواعد الاشتباك التي استقرت لعامين من الاستنزاف. إن التصريحات الأخيرة التي أطلقها الرئيس الأوكراني، وما تبعها من هجمات نوعية في العمق الروسي، ليست مجرد "رد فعل" ميداني، بل هي إعلان صريح بأن استراتيجية "الحرب المريحة" للبعض قد انتهت.
الجغرافيا في مرمى النيران: صراع التكنولوجيا
لقد شهدنا تحولاً دراماتيكياً في طبيعة الأسلحة المستخدمة؛ حيث انتقلت المعركة من التنافس على مساحات جغرافية إلى استهداف "العصب الحيوي" للدول. إن المشهد العسكري الراهن يشهد تحولاً جذرياً بفضل إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في أنظمة التوجيه الذاتي للمسيرات، مما جعل من الصعب على الرادارات التقليدية رصدها أو التشويش عليها.
لقد تجاوزت أوكرانيا مرحلة المسيرات البسيطة لتعتمد على "أسراب المسيرات ذاتية القيادة" القادرة على العمل في بيئات محصنة ضد أنظمة تحديد المواقع (GPS-denied environments). هذه المسيرات، المصنعة محلياً بتقنيات مبتكرة، لا تكتفي بمديات أبعد تصل إلى مئات الكيلومترات، بل تعتمد على كابلات الألياف البصرية في مراحل هجومها الأخيرة لضمان إصابة الأهداف الحيوية بدقة متناهية، بعيداً عن تأثيرات الحرب الإلكترونية. في المقابل، تشهد الترسانة الروسية تحديثات مستمرة في منظومات الصواريخ الباليستية، مما يعكس سباقاً تسلحياً محموماً في تقنيات "الحرب غير المتناظرة".
إن استهداف المنشآت النفطية ومنشآت الطاقة لا يمثل مجرد خسارة اقتصادية، بل هو ضربة في صميم الأمن القومي الروسي. وكعسكري سابق ومحلل، أرى أن هذا التصعيد يهدف إلى إيصال رسالة واحدة إلى الداخل الروسي: "فاتورة الحرب لن تُدفع من دماء الأوكرانيين وحدهم".
قراءة في المأزق الاستراتيجي
بينما يصر الكرملين على مواصلة نهجه العسكري، وبينما تتمسك كييف بـ "حق الرد الاستراتيجي"، نجد أن المجتمع الدولي يقف متفرجاً على مشهد يقترب من حافة الهاوية. إن غياب المبادرات الدبلوماسية الجادة، وتراجع لغة الحوار لصالح لغة الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، يؤكد أننا أمام "جمود سياسي" لا يكسره إلا ضغط عسكري غير مسبوق.
الخلاصة: هل من مخرج؟
إن سياسة "حافة الهاوية" التي نشهدها اليوم تحمل مخاطر تتجاوز حدود البلدين. إنني أدعو إلى قراءة أعمق لهذه الأحداث؛ فنحن لا نتحدث عن معركة عسكرية فحسب، بل عن نظام أمني عالمي يتهاوى. إن العالم بحاجة إلى عودة فورية للعقل، وإلا فإن "الحرائق" التي تندلع اليوم في المنشآت، قد تمتد لتلتهم ما تبقى من فرص للسلام الدولي.
لقد حان الوقت لكي يدرك الجميع أن التاريخ لا يرحم من يظن أن القوة العسكرية هي السبيل الوحيد للبقاء. إن الحوار هو الخيار الوحيد الذي يضمن استقرار الشعوب، وما دون ذلك هو الانزلاق نحو المجهول.

تعليقات
إرسال تعليق