الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
هناك لحظات لا تُقاس بعدد الجوائز، وإنما بقيمة الاعتراف الذي تمنحه المؤسسات العالمية لصُنّاع الفن الحقيقي. وعندما يعود اسم الفنان الأردني منذر رياحنه إلى أروقة جوائز الإيمي الدولية، فإن العودة هذه المرة لا تأتي عبر شخصية يؤديها أمام الكاميرا، وإنما من موقع أكثر تأثيرًا ومسؤولية، وهو عضوية لجنة التحكيم في واحدة من أهم الجوائز التلفزيونية على مستوى العالم.
وفي انفراد خاص، تحدث الفنان منذر رياحنه عن مشاركته في لجنة تحكيم الإيمي الدولية 2026، وعن شعوره بالعودة إلى هذه الجائزة التي ارتبط اسمه بها منذ سنوات عبر مسلسل "الاجتياح"، الذي ما زال حتى اليوم العمل العربي الوحيد الذي نجح في الفوز بجائزة الإيمي الدولية عن فئة أفضل مسلسل تلفزيوني، كما كشف رؤيته لمكانة الدراما العربية، وأهمية استضافة أبوظبي لهذه المرحلة المفصلية من الجائزة.
بدايةً... ماذا يمثل لك اختيارك عضوًا في لجنة تحكيم جوائز الإيمي الدولية 2026؟
الحقيقة هو شرف كبير ومسؤولية أكبر، لأن الحديث هنا لا يدور عن جائزة عادية، بل عن واحدة من أهم المنصات العالمية التي تقيس جودة الأعمال التلفزيونية وفق معايير دقيقة جدًا. وجودي ضمن لجنة التحكيم يجعلني أشعر بالفخر، ليس على المستوى الشخصي فقط، وإنما لأن الفنان العربي أصبح حاضرًا بثقة في المحافل الدولية، ويشارك في صناعة القرار الفني جنبًا إلى جنب مع أسماء كبيرة من مختلف دول العالم. هذه الثقة تعني أن الدراما العربية باتت تمتلك مكانتها، وأن صوت الفنان العربي أصبح مسموعًا ويحظى بالاحترام.
هل شعرت بأن هذه المشاركة أعادت إليك ذكريات مسلسل "الاجتياح" الذي صنع تاريخًا عربيًا داخل الإيمي؟
بالتأكيد. بمجرد أن تدخل إلى أجواء الإيمي تعود بك الذاكرة تلقائيًا إلى "الاجتياح". هذا العمل لم يكن مجرد مسلسل بالنسبة لنا، بل كان مشروعًا إنسانيًا وفنيًا حمل قضية ورسالة، ولذلك بقي حاضرًا في الذاكرة حتى اليوم. أشعر بالفخر لأنني كنت جزءًا من هذه التجربة التي أثبتت أن الدراما العربية تستطيع الوصول إلى العالمية عندما تمتلك النص الصادق، والإخراج المتميز، والأداء الحقيقي. "الاجتياح" سيظل بالنسبة لي محطة استثنائية لا تتكرر بسهولة.
برأيك... ما الذي جعل "الاجتياح" يحقق هذا الإنجاز التاريخي؟
أعتقد أن السر الحقيقي كان في الصدق. العمل لم يحاول أن يجامل أحدًا، ولم يعتمد على الاستعراض، وإنما انطلق من قصة إنسانية عميقة استطاعت أن تلامس الإنسان في أي مكان بالعالم. كما أن وجود المخرج الكبير الراحل شوقي الماجري منح المشروع رؤية مختلفة جدًا، فهو كان يمتلك قدرة استثنائية على تحويل التفاصيل الإنسانية إلى مشاهد تعيش طويلًا في وجدان المشاهد. لذلك لم يكن الفوز صدفة، بل نتيجة جهد كبير وإيمان كامل بما نقدمه.
كيف تنظر إلى وجود هذا العدد من الفنانين العرب داخل لجنة التحكيم هذا العام؟
هذا أمر يسعدني كثيرًا، لأنه يعكس حجم التطور الذي وصلت إليه الدراما العربية. عندما نجد أسماء عربية من مدارس وتجارب مختلفة تشارك في تقييم أعمال عالمية، فهذا يعني أن الخبرة العربية أصبحت محل تقدير واحترام. التنوع الموجود داخل اللجنة يمنحها ثراءً كبيرًا، كما يمنح الفنان العربي فرصة لإثبات قدراته الفكرية والفنية، وليس فقط حضوره أمام الكاميرا.
ماذا عن استضافة أبوظبي لهذه المرحلة المهمة من الإيمي الدولية للعام الخامس عشر على التوالي؟
أرى أن أبوظبي أصبحت نموذجًا عالميًا في دعم الصناعات الإبداعية والإعلامية. الاستمرار في استضافة هذه المرحلة كل هذه السنوات يؤكد حجم الثقة الدولية التي تحظى بها الإمارات، كما يعكس قدرتها على جمع صناع الفن من مختلف أنحاء العالم داخل بيئة احترافية متطورة. مثل هذه الفعاليات تخلق فرصًا للحوار وتبادل الخبرات، وتفتح أبوابًا جديدة أمام التعاون بين الثقافات المختلفة.
ما أصعب ما يواجه عضو لجنة التحكيم في جائزة بحجم الإيمي؟
التحدي الأكبر هو الحياد الكامل. عندما تجلس لمشاهدة الأعمال لا تنظر إلى أسماء النجوم أو الشركات المنتجة أو الدول المشاركة، وإنما تنظر فقط إلى جودة العمل نفسه. كل تفصيلة تصبح محل تقييم؛ من الفكرة والسيناريو، إلى الإخراج والأداء والإيقاع والقيمة الفنية. ولذلك فإن المسؤولية كبيرة جدًا، لأن كل صوت داخل اللجنة قد يصنع فارقًا في مستقبل عمل أو فريق كامل.
هل ترى أن الدراما العربية أصبحت أقرب اليوم للمنافسة العالمية؟
نعم، وأنا مؤمن بذلك تمامًا. لدينا مواهب كبيرة جدًا، سواء أمام الكاميرا أو خلفها، ولدينا قصص تستحق أن تُروى للعالم. ما نحتاج إليه دائمًا هو الاستمرار في الاستثمار في جودة الكتابة والإنتاج، وعدم الاكتفاء بالنجاح المحلي. عندما نقدم أعمالًا صادقة ومحترفة، فإن العالم يستمع إلينا ويشاهدنا ويقدّر ما نقدمه.
ماذا تقول للفنان العربي الذي يحلم بأن يصل يومًا إلى الإيمي الدولية؟
أقول له لا تجعل الجائزة هدفك الأول، بل اجعل الجودة هي هدفك. عندما تقدم عملًا صادقًا ومخلصًا لفنك، فإن الجوائز تأتي كنتيجة طبيعية. النجاح الحقيقي يبدأ من احترام الجمهور واحترام المهنة، وبعدها تأتي كل أشكال التقدير الأخرى.
بعد هذه التجربة... ماذا يمثل لك اسم الإيمي اليوم؟
يمثل لي مسؤولية، وذكرى جميلة، وأملًا في المستقبل. هو المكان الذي يذكرني بأن الفن الحقيقي لا يعرف حدودًا، وأن العمل الجيد يستطيع أن يعبر اللغات والثقافات ويصل إلى أي إنسان في العالم. لذلك أشعر بالسعادة في كل مرة يرتبط فيها اسمي بهذه الجائزة، سواء كممثل في عمل حقق إنجازًا تاريخيًا، أو كعضو لجنة تحكيم يشارك في اختيار أفضل ما يُقدم على الشاشة العالمية.
وهكذا يواصل الفنان منذر رياحنه حضوره في واحدة من أهم المحافل التلفزيونية الدولية، لكن هذه المرة من موقع صانع القرار الفني، ليؤكد أن رحلة "الاجتياح" لم تكن نهاية حكاية النجاح، بل كانت البداية لمسار عربي يثبت عامًا بعد آخر أن الإبداع الحقيقي قادر على تجاوز الحدود والوصول إلى أكبر المنصات العالمية، بينما تواصل أبوظبي ترسيخ مكانتها بوصفها ملتقى عالميًا للإعلام والثقافة والإنتاج الإبداعي، استعدادًا لإعلان القائمة النهائية للترشيحات في سبتمبر المقبل، وصولًا إلى حفل توزيع جوائز الإيمي الدولية المقرر إقامته في نيويورك يوم 23 نوفمبر 2026.

تعليقات
إرسال تعليق