القائمة الرئيسية

الصفحات

الحرب التي لا نراها... من يسرق أعمار أبنائنا؟



بقلم المستشار/ ياسر الخولي 

نائب رئيس مجلس هيئة قضايا الدولة 


هناك حروبٌ تُخاض بالسلاح، وأخرى بالاقتصاد، وثالثة بالإعلام... لكن أخطر الحروب في القرن الحادي والعشرين هي تلك التي تُخاض على وعي الإنسان ووقته وانتباهه.


لقد تغيرت قواعد الصراع العالمي. فلم يعد الهدف احتلال الأرض، بل احتلال العقل. ولم تعد القوة تُقاس بعدد الجيوش، بل بعدد الساعات التي يستطيع الآخرون انتزاعها من حياة الإنسان دون أن يشعر.


ولهذا فإنني أعتقد أن معركتنا الحقيقية ليست مع المواقع الإباحية وحدها، ولا مع وسائل التواصل الاجتماعي، ولا حتى مع الذكاء الاصطناعي، وإنما مع اقتصاد الانتباه؛ ذلك الاقتصاد الذي يحوّل الإنسان من صانعٍ للحياة إلى مستهلكٍ دائم، ومن منتجٍ للأفكار إلى مجرد متلقٍ لما يُصنع له.


لقد فهمت شركات التكنولوجيا حقيقةً غابت عن كثير من المؤسسات التربوية والثقافية؛ وهي أن أغلى مورد في القرن الحادي والعشرين ليس النفط، ولا الذهب، ولا حتى البيانات... بل وقت الإنسان.


فالوقت هو العملة الوحيدة التي إذا أنفقتها لن تستطيع استردادها أبدًا.


ولهذا لا أرى أن السؤال الصحيح هو: كيف نمنع الشباب من الوصول إلى المحتوى الضار؟


بل السؤال الحقيقي هو:


كيف نجعل الواقع أكثر جاذبية من العالم الافتراضي؟


إن الإنسان لا يهرب إلى الشاشات لأنه يحب الشاشات، وإنما لأنه يبحث عن شيء فقده في الواقع...

قد يبحث عن التقدير...

أو النجاح...

أو الحب...

أو المغامرة...

أو مجرد الإحساس بأنه مهم.


وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.


قال الفيلسوف الألماني نيتشه:

"من يملك سببًا يعيش من أجله، يستطيع أن يتحمل أي كيفية للحياة."


وهذا هو جوهر القضية.


فالإنسان الذي يمتلك هدفًا، ورسالة، وحلمًا، ومشروعًا، يصبح أقل قابلية لأن تستعبده أي شاشة.


ولذلك فإنني أؤمن بأن أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال...


بل فقر المعنى.


إن الفراغ لا يقتل الوقت فقط، بل يقتل الإرادة، ويجعل الإنسان يبحث عن أي وسيلة لقتل الملل، حتى ولو كانت تدمر مستقبله.


ولهذا قال ابن خلدون إن العمران لا يقوم إلا بالعمل، لأن العمل ليس وسيلة للكسب فقط، بل وسيلة لحماية النفس من السقوط.


ومن هنا فإن بناء الملاعب، والمكتبات، والمراكز الثقافية، ومنصات الابتكار، وحاضنات الأعمال، ليس رفاهية اجتماعية، بل جزء من الأمن القومي.


إن كل شاب يجد فرصة للإبداع هو شاب أقل عرضة للإدمان.


وكل فتاة تجد مساحة لتحقيق ذاتها هي أكثر قدرة على مقاومة المحتوى الهابط.


وكل طفل يجد من يحتضن موهبته سيكون أقل احتياجًا للهروب إلى عالم افتراضي يصنع له واقعًا زائفًا.


إن الدول العظيمة لا تكتفي بمحاربة الشر، بل تستثمر في صناعة الخير.


ولا تكتفي بحجب الطريق الخطأ، بل تبني الطريق الصحيح.


فالفراغ لا يُعالج بالمنع...


بل بالمعنى.


واليأس لا يُهزم بالخوف...


بل بالأمل.


والإدمان لا يُقاوم بالعقوبة وحدها...


بل بإيجاد حياة تستحق أن تُعاش.


لقد قال المفكر مالك بن نبي:

"مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارة."


وأضيف...


إن الحضارة تبدأ عندما ندرك أن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به الدولة، أو الأسرة، أو المدرسة، ليس في الحجر... بل في الإنسان.


فالإنسان هو المشروع الوحيد الذي إذا نجح... نجحت معه الأمة كلها.


ولعل السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا أمامنا جميعًا ليس:


كيف نحارب المحتوى الضار؟


بل:


كيف نصنع إنسانًا لا يجد في ذلك المحتوى ما يغريه، لأنه وجد في الحياة ما هو أجمل، وأنبل، وأعمق؟


فهذه هي المعركة الحقيقية...


ومن ينتصر فيها...


يمتلك المستقبل.

تعليقات