القائمة الرئيسية

الصفحات

“من سكون الهيبة تُعرف الرجال… الدكتور مصطفى أحمد بخيت حين يتكلم الصعيد بلغة العلم”


الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر


في بلاد الصعيد، حيث الأرض تحفظ خطى أهلها، وحيث الكلمة تُوزن قبل أن تُقال، وحيث الرجال تُعرَف بثباتها لا بعلوّ صوتها، يطلّ الدكتور مصطفي بخيت ، دكتور الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة المنصورة، كأنّه واحد من تلك الحكايات القديمة التي لا يطويها الزمن، بل تزداد قيمة كلما مرّ عليها الوقت، رجلٌ لا تحتاج أن تسأل عنه، لأن ملامحه تُخبرك، وصمته يشرح، وحضوره يسبق التعريف، كأن الوقار اختار أن يسكن فيه، لا كصفة عابرة، بل كطبعٍ أصيل لا يتغيّر.


هو من أولئك الذين لا يملأون المكان ضجيجًا، بل يملؤونه معنى، لا يتقدّمون بخطواتٍ صاخبة، بل بحضورٍ هادئ يفرض نفسه دون استئذان، كأنك أمام جبلٍ صعيديٍّ ثابت، لا يتحرك كثيرًا، لكنه إذا وُجد أعطى للمكان شكله، وللناس إحساسهم بالأمان، رجلٌ يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ويُدرك أن بعض الصمت أبلغ من ألف حديث، وأن الكلمة إذا خرجت في وقتها الصحيح كانت كأنها حكمٌ لا يُناقش.


وفي ملامحه شيء من صفاء النيل حين يمرّ على الجنوب، هدوءٌ عميق لا يحمل اضطرابًا، بل يحمل فهمًا، وكأن كل تجاربه مرّت من داخله بهدوء حتى استقرّت في صورة اتزانٍ نادر، فلا ترى فيه تسرّعًا، ولا اندفاعًا، بل ترى عقلًا يزن، وقلبًا يهدأ، وروحًا تعرف أن العلم ليس سباقًا، بل مسيرة طويلة تحتاج صبرًا وثباتًا.


وحين يتحدث، تشعر أن الكلمات لا تخرج عشوائيًا، بل تمرّ على ميزانٍ داخليٍّ دقيق، فلا يقول إلا ما يستحق أن يُقال، ولا يختار إلا ما يناسب المقام، فتسمع حديثه كأنك تسمع شيئًا أقرب إلى الحكمة منه إلى الشرح، وكأن كل جملة عنده لها جذور، لا تُقال لمجرد القول، بل لأنها نتيجة فهمٍ طويل وتأملٍ عميق.


وفي قاعة الدرس، يتحوّل من مجرد أستاذ إلى حالةٍ مختلفة، لا يقف ليؤدي دورًا، بل ليصنع أثرًا، فتجد الطلاب أمامه لا ينشغلون بالوقت، بل ينشغلون بالفهم، لأن طريقته لا تجعلك تحفظ، بل تجعلك ترى، لا تجعلك تكرر، بل تجعلك تفكّر، وكأنّه يفتح في عقولهم أبوابًا لم يكونوا يعلمون أنها موجودة، ويأخذ بأيديهم بهدوءٍ صعيديٍّ صادق، لا استعجال فيه ولا تعقيد.


وفي شرحه للشريعة، لا يقدّمها كأحكامٍ جامدة، بل كروحٍ حيّة تمشي بين الناس، يربط بين النص والحياة، بين القاعدة والواقع، فيجعل الطالب يشعر أن ما يدرسه ليس بعيدًا عنه، بل جزء من يومه، من قراراته، من فهمه لنفسه وللآخرين، وهذه قدرة لا تأتي من العلم وحده، بل من إحساسٍ صادق برسالة هذا العلم.


أما عن هيبته، فهي ليست تلك التي تُصنع بالصوت العالي أو بالمسافة، بل هيبة هادئة، تُشعّ من داخله، تجعل من حوله يعيدون ترتيب كلماتهم دون أن يُطلب منهم ذلك، لأنهم يشعرون أنهم أمام رجلٍ لا يحتاج أن يثبت شيئًا، بل يكفي أن يكون كما هو.

ورغم ذلك، فيه تواضع الصعيد الحقيقي، ذاك التواضع الذي لا يُنقص من قدره، بل يزيده، يقترب من طلابه دون أن يفقد مكانته، يسمع لهم باهتمام، ويعطي لكل سؤالٍ قيمته، وكأنّه يرى في كل طالب مشروع عقلٍ يجب أن يُبنى، لا رقمًا يجب أن يُقيّم.


وفيه جمالٌ خاص… ليس جمال الملامح فقط، بل جمال الحضور، جمال الاتزان، جمال الروح التي لا تتصنّع، فتشعر أن الكاريزما عنده ليست في نبرة الصوت، بل في الطمأنينة التي يتركها، وأن الجاذبية ليست في الشكل، بل في الأثر الذي يبقى بعد اللقاء، وكأنك لا تراه بعينك فقط، بل تشعر به بقلبك.


ولو اقتربت أكثر، ستجد فيه رقةً لا تظهر للجميع، رقة العالم حين يحب علمه، وحين يصدق في عطائه، وحين يرى في طلابه امتدادًا لما يؤمن به، فتلمح في حديثه اهتمامًا، وفي صمته احتواءً، وفي ابتسامته بساطةً تشبه أهل الصعيد حين يفرحون دون مبالغة.


اللهم يا واسع الفضل، يا من ترفع أهل العلم درجات، نسألك أن تفيض على الدكتور مصطفى أحمد بخيت من نورك، وأن تبارك له في علمه وعمره، وأن تجعل كل حرفٍ علّمه في ميزان حسناته، اللهم ارزقه توفيقًا لا ينقطع، وفتحًا لا يُغلق، وبركةً تحيط به من كل جانب، اللهم احفظه بحفظك الذي لا يزول، واكتب له القبول في الأرض والسماء، واجعل له من كل ضيقٍ فرجًا، ومن كل همٍّ مخرجًا، ومن كل خطوةٍ نجاحًا دائمًا.


اللهم اجعل علمه نورًا يهدي به القلوب، واجعل كلماته سكينةً تدخل صدور طلابه، وارزقه إخلاصًا يبلّغ به أعلى الدرجات، واكتب له أثرًا طيبًا لا يُمحى، وذكرًا حسنًا لا ينقطع، اللهم كما جعلته سببًا في تعليم غيره، فاجعل له من كل علمٍ أضعاف الأجر، ومن كل دعوةٍ نصيبًا، ومن كل خيرٍ حظًا.


اللهم احطه بعنايتك، ووفّقه في كل طريقٍ يسلكه، واجعل أيامه مليئةً بالرضا، وقلبه مطمئنًا بذكرك، وارزقه من الخير ما يليق بصفاء نيته، ومن النجاح ما يليق بصدقه، ومن المحبة ما يليق بروحه الهادئة.


ويبقى الدكتور مصطفى أحمد بخيت، كأنه سيرة تُحكى ولا تنتهي، كلما اقتربت منها اكتشفت فيها معنى جديد، وكلما حاولت أن تصفها شعرت أن الكلمات أقل من أن تحتويها، لأنه ببساطة… نموذج لرجلٍ جمع بين علمٍ يُحترم، وقلبٍ يُحب، وحضورٍ يُحسّ، وهي معادلة نادرة لا تتكرر كثيرًا.

هو ليس مجرد أستاذٍ في كلية الحقوق، بل حالةٌ إنسانية تُعلّمك قبل أن تُدرّسك، وتؤثّر فيك قبل أن تُقنعك، وتترك فيك أثرًا يشبه أثر الأرض الطيبة… هادئ، عميق، وباقٍ لا يزول.

تعليقات