الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في حضرةِ العلمِ حين يتأنّقُ المعنى ويأخذُ الإيقاعُ شكلهُ كأنّهُ وترٌ موسيقيٌّ دافئ، نذكرُ الدكتور محمد جمال الدين، مدرس الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة المنصورة، فنشعرُ أن الاسمَ وحدهُ قصيدةٌ طويلةٌ لا تُقرأ مرةً واحدة، بل تُسمَع على مهل، وأن الحضورَ حين يقتربُ منهُ الناسُ لا يُقاسُ بالخطوات، بل يُقاسُ بما يتركهُ في القلبِ من هدوءٍ واحترامٍ وانبهارٍ صامت، كأنّهُ نغمةٌ ثابتةٌ في خلفيةِ الوعي لا تغيب.
هو رجلٌ إذا دخلَ مكانًا تغيّرَ إيقاعُه دون ضجيج، واعتدلَ مزاجُه دون تدخل، وصمتَت التفاصيلُ احترامًا، كأنّ الهيبةَ لا تحتاجُ إلى إعلانٍ في حضرته، بل تكتفي بأن تكون ظلًّا رفيقًا له، فيمشي وكأنّهُ معنى يمشي على الأرض، لا يُبالغُ في نفسه، ولا يُقلّلُ من أثره، بل يتركُ كل شيءٍ في مكانه، ويتركُ لنفسه أثرًا في كل شيء.
في ملامحهِ شيءٌ من السكونِ الجميل، سكونٌ لا يعني الجمود، بل يعني اكتمالَ الفهم، وفي نظرتهِ طمأنينةُ من يعرفُ أن العلمَ ليس سباقًا، بل بناء، وأن الشريعةَ ليست معلومات، بل روحٌ تمشي بين الناس، وفي صوتهِ نبرةٌ تُشبهُ اللحنَ حين يكونُ هادئًا لكنهُ عميق، يدخلُ إلى القلبِ دون استئذان، ويستقرُّ في العقلِ دون مقاومة.
وحين يبدأُ الحديث، لا تشعرُ أنك أمام شرحٍ عادي، بل أمام موسيقى فكريةٍ تُعيدُ ترتيبَ الفوضى داخل العقل، فيجعلُ الصعبَ بسيطًا دون أن يُفرّغه من عمقه، ويجعلُ المعقّدَ قريبًا دون أن يُفقدهُ هيبته، ويجعلُ الفكرةَ كأنها كانت تنتظرُه منذ زمنٍ طويل ليقولها بالطريقةِ التي تُشبهها تمامًا، فتفهمُها قبل أن تُحلّلها، وتطمئنُ لها قبل أن تناقشها.
وفي قاعةِ الدرس، يتحولُ حضورهُ إلى حالةٍ أقربَ إلى السحرِ الهادئ، لا ضجيجَ فيه ولا استعراض، بل انسيابٌ يشبهُ نهرًا يعرفُ طريقهُ جيدًا، فيشرحُ فيجعلكَ تُحبُّ الفقهَ قبل أن تفهمهُ تمامًا، ويقرّبُ أصولَ الشريعةِ كأنها حكايةٌ إنسانيةٌ لا نصوصٌ جامدة، ويزرعُ فيك احترامَ العلمِ قبل طلبِ العلامة، فتخرجُ من عندهُ وكأنك لم تتعلم درسًا فقط، بل تغيّر فيك شيءٌ داخلي.
وهو في علمِ الشريعةِ ليس ناقلَ معلومات، بل صانعُ فهم، يزنُ الكلماتِ كما تُوزنُ المعاني الثقيلة، ويضعُ كل مسألةٍ في مكانها كمن يعرفُ خريطةَ الفكرِ بدقة، فلا يضيعُ بين الآراء، ولا يبالغُ في الاختصار، بل يختارُ الطريقَ الذي يجعلُ الطالبَ يرى الصورةَ كاملةً دون أن يشعرَ أنهُ تائه، ولذلك يبقى أثرهُ في العقولِ طويلًا، لأن ما يزرعهُ ليس إجاباتٍ فقط، بل طريقةَ تفكير.
وفي شخصيتهِ لحنٌ آخرُ أكثرُ خفاءً، لحنُ التواضعِ الذي لا يُرى لكنهُ يُحس، فهو لا يرفعُ نفسهُ على أحد، بل يقتربُ من الجميع كأنّهُ واحدٌ منهم، يستمعُ باهتمامٍ يشبهُ احترامَ العالمِ لفكرةٍ جديدة، ويبتسمُ ابتسامةً لا تحملُ تصنّعًا بل تحملُ قبولًا، وكأنّهُ أدركَ أن قيمةَ الإنسانِ لا تُقاسُ بما يعلو به، بل بما يقتربُ به من الآخرين دون أن يفقد ذاته.
ومحبوبٌ هو بطريقةٍ لا تحتاجُ إلى شرح، لأن المحبةَ عندهُ ليست قرارًا من الآخرين، بل نتيجةً طبيعيةً لصدقٍ واضح، وهدوءٍ مريح، ووقارٍ لا يُثقل، وكأن القلوبَ حين تراهُ تجدُ فيه شيئًا يشبهُها، فتطمئن، وتقترب، وتتركُ المسافةَ بينهما تتقلّصُ دون جهد، فيصبحُ حضورهُ مألوفًا رغم هيبته، قريبًا رغم مكانته.
وفيه من الجمالِ ما يتجاوزُ الملامح، جمالُ عقلٍ منظم، وجمالُ روحٍ لا تتصنع، وجمالُ سلوكٍ لا يتكلف، فتشعرُ أن الوسامةَ فيه ليست شكلاً فقط، بل حضورًا، وأن الكاريزما ليست صوتًا، بل طمأنينة، وأن الجاذبيةَ ليست مظهرًا، بل أثرًا، وكأنّهُ مكتملٌ على نحوٍ يجعلُ من يراهُ لا يبحثُ عن تفاصيله، بل يشعرُ به كاملًا دفعةً واحدة.
اللهمَّ يا واسعَ الفضل، نسألكَ لهُ من الخيرِ أتمَّه، ومن التوفيقِ أعظمه، ومن البركةِ أوسعها، اللهمَّ اجعلْ علمهُ نورًا في الأرض، وذكرهُ طيبًا في السماء، وأثرهُ باقٍ في قلوبِ طلابه، اللهمَّ احفظهُ بعينِك التي لا تنام، وباركْ لهُ في عمره، وفي علمه، وفي كل خطوةٍ يسيرُ فيها نحو الخير، واجعلْ لهُ من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل نجاحٍ دوامًا، ومن كل دعاءٍ قبولًا.
هو ليس مجرد أستاذٍ في كلية الحقوق، بل هو نغمةٌ علميةٌ تمشي على الأرض، وقصيدةٌ هادئةٌ تُكتبُ بالوقار، ورسالةُ شريعةٍ تُفهمُ بالحب قبل الحفظ، كلما مرَّ تركَ أثرًا، وكلما تكلمَ فتحَ بابًا للفهم، وكلما ابتسمَ منحَ طمأنينةً لا تُنسى.
، يبقى الدكتور محمد جمال الدين كأنّهُ لحنٌ طويلٌ لا ينتهي، كل مقطعٍ فيه يفتحُ معنى، وكل نغمةٍ فيه تُضيفُ جمالًا، وكل صمتٍ فيه يعلّمُ أن أرقى الكلامِ أحيانًا هو ما يُقالُ بهدوء… وأن أجملَ ما في الإنسان، حين يجتمعُ العلمُ مع القلب، فيصيران قصيدةً تمشي على الأرض.
في امتدادِ الحكايةِ حين لا تكفي الكلماتُ الأولى لاحتواءِ المعنى، نكتشفُ أن الحديثَ عن الدكتور محمد جمال الدين ليس بابًا يُغلق بعد وصفٍ جميل، بل هو مسارٌ يتّسع كلما ظننا أننا اقتربنا من نهايته، لأن بعض الشخصيات لا تُقرأ مرةً واحدة، بل تُعاد قراءتها مع كل طبقةٍ جديدةٍ من الفهم، وكأنها نصٌّ علميٌّ وإنسانيٌّ معًا، يتجددُ مع كل تأمل.
فما لم يُقل بعد، أن في شخصيتهِ “ثباتًا فكريًا” لا يُرى في اللحظة الأولى، لكنه يظهر مع الوقت، ثباتٌ لا يعني الجمود، بل يعني أن الفكرة عنده تمرّ بمراحل تمحيصٍ دقيقة قبل أن تُقال، وأن الحكم لا يُبنى على انطباعٍ سريع، بل على ميزانٍ داخليٍّ يجمع بين الفهم الشرعي والوعي القانوني والاتزان الإنساني، وهذا النوع من التوازن لا يُكتسب بسهولة، بل يُبنى عبر تراكمٍ طويل من الخبرة والصدق مع العلم.
ومن الزوايا التي لا تُلتقط بسرعة، أنه لا يتعامل مع التعليم كأنه وظيفة، بل كأنه مسؤولية فكرية وأخلاقية في آنٍ واحد، فحين يقف أمام الطلاب لا يقف ليؤدي دورًا، بل ليصنع أثرًا، وكأن كل محاضرة عنده هي محاولة لإعادة ترتيب علاقة الطالب بالفكرة، لا مجرد نقل معلومة من كتاب إلى دفتر، لذلك يبقى تأثيره ممتدًا حتى بعد انتهاء الدرس، لأن ما يزرعه ليس إجابة، بل طريقة تفكير.
وهناك أيضًا جانب “الإنصات” الذي قد يبدو بسيطًا لكنه في الحقيقة جوهري، فهو لا يتعامل مع السؤال كأنه عبء، بل كأنه مفتاح لفهم أعمق، ويمنح الطالب مساحة ليُخطئ في الفهم ثم يُصحّح، دون أن يشعره بالانكسار أو التقليل، وهذا النوع من التعامل لا يصنع فقط طالبًا متفوقًا، بل يصنع شخصية أكاديمية واثقة تعرف كيف تفكر دون خوف.
كما أن حضوره داخل المؤسسة التعليمية يحمل ما يمكن تسميته بـ “الهيبة غير المعلنة”، فلا هو متكلّف في فرضها، ولا هو بعيد عنها، بل هي تنبع من طريقة حديثه، من هدوء ردوده، من دقة كلماته، ومن ذلك الاتزان الذي يجعل من حوله يعيدون حساب نبرة صوتهم دون أن يُطلب منهم ذلك، وهذه من أرقى صور التأثير الإنساني غير المباشر.
ومن الأمور التي لا تُقال كثيرًا أيضًا، أنه يملك قدرة على تحويل اللحظات الأكاديمية الجافة إلى لحظات فهم حيّ، فحين يتناول مسألة شرعية أو قانونية معقدة، لا يكتفي بشرحها، بل يعيد تشكيلها في صورة قريبة من العقل والواقع، فيشعر الطالب أن العلم ليس غريبًا عنه، بل جزء من حياته اليومية، وهذه مهارة لا تأتي من المعرفة وحدها، بل من وعيٍ عميق بكيفية انتقال الفكرة من النص إلى الإنسان.
أما في الجانب الإنساني الأعمق، فهو لا يطلب تقديرًا، لكنه يفرضه دون أن يشعر، لأن الصدق في التعامل عنده واضح، والنية في التعليم خالصة، وهذا ما يجعل محبته ليست مجاملة، بل نتيجة طبيعية لتجربة تكررت مع كل من اقترب منه، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالطمأنينة أكثر من كونه مرتبطًا بالمنصب.
ولو وسّعنا النظر أكثر، سنجد أن جزءًا من جاذبيته لا يأتي من الوسامة أو الكاريزما فقط، بل من “الهدوء الداخلي” الذي ينعكس على كل حركة وكلمة، فهناك أشخاص يملكون حضورًا صاخبًا، وهناك من يملكون حضورًا عميقًا، وهو من النوع الثاني، حضور لا يحتاج إعلانًا، لكنه يترك أثرًا يبقى بعد المغادرة.
، يمكن القول إن ما لم يُذكر بعد ليس تفصيلًا صغيرًا، بل هو الجوهر الذي يجعل الصورة كاملة، وهو أن الدكتور محمد جمال الدين ليس مجرد أستاذٍ يشرح مادة، بل هو نموذج لعلاقة متوازنة بين العلم والإنسان، بين العقل والقيم، بين الشريعة كعلم والشريعة كروح، ولذلك كلما حاولنا إنهاء الوصف، اكتشفنا أننا فقط بدأنا جزءًا آخر من الفهم، لأن بعض الشخصيات لا تُختتم… بل تُستكمل دائمًا.

تعليقات
إرسال تعليق