بقلم: محمد الشحات سلامة (محرر إعلامي وصحفي)
كرة القدم لا تحترم التاريخ دائماً، ولا تعترف بالماضي حين تغيب الإدارة الحكيمة؛ هذه هي الحقيقة المرة التي تجرعتها جماهير الساحرة المستديرة في ليلة درامية تداخلت فيها المشاعر، وانفجرت فيها المدرجات بالنيران على أرضية ملعب "لا بوجوار" في فرنسا، ليعلن مشهد النهاية سقوط نادي نانت العريق إلى "دوري المظاليم"، في سيناريو يحاكي الكوابيس التي عاشتها وعانت منها أندية جماهيرية كبرى في عالمنا العربي، وعلى رأسها قلعة "الدراويش" نادي الإسماعيلي المصري.
لعنة السقوط وتطابق المعاناة
رغم اختلاف القارات والمسافات، إلا أن هناك خيطاً رفيعاً يربط بين نانت الفرنسي والإسماعيلي المصري؛ فكلاهما يمثل "الضلع الثالث" التاريخي في بلاده، وكلاهما ارتدى القميص الأصفر وحمل لقب "الكاناري" أو "برازيل مصر" لتقديم كرة قدم ممتعة تعتمد على المواهب والجمالية، وكلاهما عانى في السنوات الأخيرة من مقصلة الأزمات المالية، وسوء التخطيط الإداري، وتغيير الأجهزة الفنية المستمر، مما جعل الهبوط أو صراع البقاء شبحاً يطاردهما بدلاً من منصات التتويج.
في فرنسا، لم تتحمل الجماهير رؤية فريقها العريق يتجمد في المركز السابع عشر برصيد 23 نقطة ويهبط رسمياً، فانفجر بركان الغضب في الدقيقة 22 من الشوط الأول لمباراة تولوز. اقتحم الألتراس الملعب بالشماريخ والقنابل الدخانية، مما أجبر الحكم والسلطات على إلغاء المباراة نهائياً لدواعٍ أمنية، ليتأكد السقوط ولكن برداء الفوضى والدموع.
مصطفى محمد ودرويش في الغربة
في قلب هذه العاصفة الفرنسية، كان النجم الدولي المصري مصطفى محمد، مهاجم نانت، شاهداً من على مقاعد البدلاء على هذا الانهيار. والمفارقة هنا أن مصطفى محمد، كلاعب ترعرع في أجواء الدوري المصري ويعلم تماماً قيمة الأندية الجماهيرية، يدرك جيداً معنى غضب المدرجات عندما تسقط القلاع الكبرى؛ فالأجواء المشحونة التي عاشها في ليلة "لا بوجوار" لا تختلف كثيراً عن الضغوط العصيبة التي عاشتها جماهير الإسماعيلي في مواسم الصراع المرير من أجل البقاء في الأضواء بمصر.
دموع "خليلوزيتش" وانكسار الهيبة
المشهد الأكثر قسوة في الليلة الفرنسية كان بطله المدرب البوسني المخضرم وحيد خليلوزيتش، الذي كان يخوض مباراته الأخيرة قبل الاعتزال؛ حيث دخل في مشادات مع المشجعين الملثمين لحماية الملعب، قبل أن ينهار باكياً في الممر المؤدي لغرف الملابس. هذه الدموع تذكرنا بدموع الكبار والرموز في نادي الإسماعيلي خلال السنوات الأخيرة، حين كان يبكي أبناء النادي المخلصون خوفاً على مصير قلعة الدراويش من الانهيار والسقوط إلى دوري المظاليم.
درس قاسٍ لأندية القميص الأصفر
إن سقوط نانت الفرنسي بالطريقة المأساوية، والتهديدات المستمرة التي عاشها (ويعيشها) الإسماعيلي المصري، هو جرس إنذار شديد اللهجة لجميع القلاع الجماهيرية. فالتاريخ وحده لا يكفي للبقاء في الأضواء، وشغف الجماهير إذا لم يوازِه استقرار مالي وفني وإداري، فإنه ينقلب إلى بركان يحرق الأخضر واليابس.
نادي نانت يستعد الآن لمواجهة عقوبات تأديبية قاسية بجانب مرارة الهبوط، بينما يبقى الأمل أن تستوعب إدارة وجماهير الإسماعيلي الدرس الفرنسي جيداً؛ فالكبار لا يرحمهم التاريخ إذا تخلوا عن مقومات البقاء، ودوري المظاليم لا يفرق بين من يملك تاريخاً مرصعاً بالذهب، ومن لا يملك شيئاً.

تعليقات
إرسال تعليق