بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن الإفساد في الأرض أمر يجب التحذير منه والتنبه له، لأنه أمر مخالف لدعوة الأنبياء والرسل عليهم السلام الذين جاءوا بالإصلاح في الأرض، وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله عز وجل، وتتابعت رسُل الله وأنبياؤه ينهون عن الفساد في الأرض، وإن للإفساد في الأرض صور وأشكال وألوان مختلفة ومتعددة، فمن الواضح الذي لا يختلف فيه اثنان، أن الفساد عم وطم في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي، فأصبحنا نشاهد الفساد الإقتصادي والفساد الإداري والفساد السياسي والفساد الإجتماعي والفساد الأخلاقي والفساد الديني والفساد العلمي بجميع الصور، نسأل الله ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وعند تدبر كتاب الله والتأمل فيه نرى في كتاب الله تحذيرا من أنواع الفساد، ليكون المسلم على حذر منها، وإذا تأملت الآيات التي ذكر الله عز وجل فيها الإفساد فرأيت أن الله تبارك وتعالى إذا ذكر الإفساد بهذا اللفظ نفى الإصلاح، أو ذكره معه لتعلم أن المفسدين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
فإن الفساد فى الأرض أصبح ظاهرة خطيرة تصيب جميع مجتمعات العالم، النامية والمتطورة والمتقدمة منها على حد سواء، وإن كان بدرجات متفاوتة، ومن المؤسف أن معدلات الفساد آخذة في الازدياد، فضلا عن تنوع المجالات التي يلحقها، وإن الفساد معناه كما ذكر أهل اللغة هو مصدر فسد يُفسد فسادا، وهو ضد الإصلاح، فقال الليث أن الفساد نقيض الإصلاح، وقال الراغب، أن الفساد خروج الشيء عن الإعتدال سواء أكان الخروج عليه قليلا أم كثيرا، وكل إعتداء على الدين أو العقل أو المال، أو العرض، أو النفس فهو إفساد، وأما الإفساد في الإصطلاح، فقد ذكر أهل العلم أنه إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح، والفساد ظاهرة عامه، وهو نوع من العلاقة يتم فيها إنتهاك القيم والمثل والمعايير والقوانين، وللفساد درجات مختلفة، منه البسيط ومنه الواسع المعقد، والفساد قد ينال كل مظاهر الحياة وكل جوانبها من دون إستثناء.
وقد يمارس الناس الفساد دون أن يعترفوا بذلك، بل قد يدعون أنهم مصلحون كما في قوله تعالى فى سورة البقرة " وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون " وإن من أشد صور الإفساد وأقبح ألوانه وهو الإهمال فإن من الأمراض الاجتماعية التي أصابت حياتنا مرض الإهمال والتسيب واللامبالاة وهو يعني التقصير في الأعمال والتهاون في أدائها وعدم إتقانها، فكل ذلك إفساد بغير إصلاح، وإن ادّعوا أنهم مُصلحون فقد كذبهم الله تعالى فقال "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار؟" لا يستويان، فينبغي أن نتعاون جميعا على محاربة الفساد، وأن نجعله قضية اجتماعية، فلا نجاة للعباد إلا إذا حاربوا الفساد، سواء اعتقادي أو فكري أو عملي، بكل صوره، ولذلك دعانا الإسلام إلى محاربة الفساد ومواجهته، وعدم السكوت عنه أو تبريره، فالتصدي له فيه نجاة للمجتمع كله.
وإهماله وعدم التصدي له فيه الهلكة للمجتمع كله فإن البلاء إذا نزل يعم الصالح والطالح ويذكر القرآن العظيم أن الأمم السالفة لما فقدت الإصلاح ورفضت المصلحين، ونشرت الفساد وقربت المفسدين، عاقبهم الله رب العالمين بأن سلط عليهم آلام الهلاك، وسوء العذاب بما كسبت أيديهم، وينبغي ألا نجامل أحدا إذا رأينا مفسدا يستغل الوظيفة أو المؤسسة يحتال، يرتشي، أو يجامل، أو يسرق، أو يفعل أي صورة من صور الفساد أن نبلغ عنه معذرة إلى الله سبحانه حتى لا ينزل بنا العذاب فعندما نسكت عن المفسدين ولا نبلغ عنهم ولا ننهاهم، ولا نرفع أمرهم ونتركهم ونسكت عنهم ونجاملهم فإن البلاء سينزل بنا جميعا فإن رأينا مفسدا، حتى لو كان من أكبر المسؤولين، فينبغي أن نبلغ عنه بعد أن نتثبت ونتأكد أنه مفسد في وظيفته، أو أنه مفسد في مؤسسته، أو أنه مفسد في مسؤوليته، فنكون ممن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال.
" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" فينبغي علينا أن نحارب الفساد سرا وجهرا بجميع الصور وبجميع الوسائل، وأن لا نجامل، وأن نعد هذه كارثة ومصيبة فإذا نزل البلاء فإنه يعم الصالح والطالح، فالإفساد في الأرض له ضرر عظيم على البلاد والعباد، وحتى على الحيوانات، والبر والبحر والطيور والدواب فكل يتضرر من إفساد العباد في الأرض، فقال أبو هريرة رضي الله عنه" والذي نفسي بيده إن الحبارى لتموت هزلا في وكرها بظلم الظالم " والحبارى هو نوع من الطيور، وقال مجاهد رحمه الله، إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتد القحط، وأمسك المطر، وتقول هذا بشؤم معصية ابن آدم وفساده في الأرض.

تعليقات
إرسال تعليق