بقلم / محمـــد الدكـــروري
جاء عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، قالت قدمت عليّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال "نعم، صلي أمك " رواه البخاري ومسلم، وقال الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله، فى قولها وهي راغبة، أي طالبة في بر ابنتها لها، خائفة من ردها إياها خائبة، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له "أسلم" فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول "الحمد لله الذي أنقذه من النار" رواه البخاري، وعن مجاهد بن جبر قال كنت عند عبدالله بن عمرو بن العاص وغلامه يسلخ شاة، فقال يا غلام، إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي، فقال رجل من القوم اليهودي، أصلحك الله؟
قال إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بالجار، حتى خشينا أو رُئينا أنه سيورثه" فإن مواساة المصابين والتخيف عن المنكوبين والمبتلين دليل على إيمان العبد وحسن فهمه لمباديء الإسلام القويمة، وللقرآن الكريم منهج خاص في مواساته للمبتلين والمصابين، وهذا المنهج الخاص يقوم على أسس ودعائم منها أن الدنيا دار إختبار وإبتلاء فالدنيا كما وصفها الله تعالى بأنها دار إختبار وإبتلاء، فقال الله تعالى فى سورة الملك " الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور" وقد وصفها الله تعالى أيضا بأنها دار لهو ولعب وأن نعيمها لا يدوم والراحة فيها ليست بباقية فقال سبحانه وتعالى فى سورة العنكبوت " وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون" ولقد وصفها المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنه سجن للمؤمن والمسجون يتشوق إلى التحرر من السجن، فعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال.
" الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" رواه مسلم وأحمد والترمذى، والعاقل هو من يؤثر ما يبقى على ما يفنى، ولقد أمرنا الله تعالى بالصبر وحثنا عليه لكي يكون مسلاة لنا عند المصائب والشدائد، فقال تعالى الله تعالى فى سورة البقرة " إستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين" بل وقرن الصبر بفضائل الأعمال ومكارم الأخلاق فقرنه بالتسبيح والإستغفار، وقرنه باليقين، وقرنه بالتوكل، وكما ربطه الله تعالى بالشكر، وربطه بالتقوى، وربطه كذلك بالحق، وربطه بالرحمة، وكذا ربطه بالجهاد في سبيل الله تعالى، والصابرون هم من أعظم الناس جزاء ومن أكثرهم سعادة يوم القيامة فقال الله تعالى " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" وكما أمرنا الله تعالى بالصبر مواساة لكل مصاب ودفعا للشك واليأس عن كل قلب متكبر مرتاب فقد بشر الله تعالى الصابرين بحسن الجزاء وجزيل العطاء، فقال أهل التفسير بأن الصلاة من الله هى المغفرة.
وقال ذلك ابن عباس رضى الله عنهما أو الثناء، وقال ذلك ابن كيسان، أو الغفران والثناء الحسن، والرحمة قيل هي الصلوات، وكررت تأكيدا لما إختلف اللفظ، كقوله "رأفة ورحمة" وقيل الرحمة هى كشف الكربة وقضاء الحاجة، وقال عبدالله بن أبي حدرد لما قدمنا مع عمر بن الخطاب الجابية وهو مكان، إذا هو بشيخ من أهل الذمة يستطعم، فسأل عنه فقلنا يا أمير المؤمنين، هذا رجل من أهل الذمة كبر وضعف، فوضع عنه عمر الجزية التي في رقبته، وقال كلفتموه الجزية حتى إذا ضعف تركتموه يستطعم، فأجرى عليه من بيت المال عشرة دراهم، وكان له عيال، وإنه بعيدا عن التصورات الملائكية عن مجتمع الصحابة، يمكن رصد حياة طبيعية لمجموعة بشرية تتفاعل وتتعاون وتتباغض وتشكل مصالح خاصة وتكتنفها مخاوف متبادلة، ولم تكن علاقة مجموعة المهاجرين الآخذة في النمو بزعامة النبي الكريم محمد صلي الله عليه وسلم مع أهل يثرب الأنصار تسير بإيجابية دائما، بل كانت هناك صورة أخرى من الخلافات.
وبدأ هذا الوضع مع النبي صلي الله عليه وسلم ذاته الذي لم يكن يأمن جانب الأنصار في بداية نزوله في مدينتهم، فسبحان الله العظيم، من للعباد غيره يدبر الأمر ومن يعدل المائل من يشفى المريض ومن يرعى الجنين فى بطون الحوامل من يحمى العباد وهم نيام وهل لحمايته بدائل من يرزق العباد ولولا حلمه لأكلوا من المزابل من ينصر المظلوم ولولا عدله لسووا بين القتيل والقاتل ومن يظهر الحق ولولا لطفه لحكم القضاة للباطل، ومن يجيب المضطر اذا دعاه وغيره إستعصت على قدرته المسائل من يكشف الكرب والغم ومن يفصل بين المشغول والشاغل من يشرح الصدور ولولا هداه لنعدم الكوامل من كسانا، من أطعمنا وسقانا، من كفانا وهدانا من خلق لنا الأبناء والحلائل من سخر لنا جوارحنا ومن طوع لنا الأعضاء والمفاصل من لنا إذا انقضى الشباب وتقطعت بنا الأسباب والوسائل هو الله، هو الله، هو الله الإله الحق وكل ما خلا الله باطل.

تعليقات
إرسال تعليق