بقلم: رحاب سمير العناني
نعيش في مجتمع غريب التناقضات، مجتمع يضع على كاهل المرأة أثقالاً ما أنزل الله بها من سلطان، بينما يمنع عنها حقوقاً كفلها لها سابع سماوات!
من العجيب والمؤلم أن نرى مجتمعنا يستحلّ خروج المرأة للعمل، وكفاحها لتأمين لقمة العيش، بل والتحمل الكامل لمسؤولية البيت والأولاد في حال قعود الزوج أو غيابه، لكن نفس هذا المجتمع يصاب بـ "العمى الأخلاقي" إذا فكرت هذه المرأة—سواء كانت مطلقة أو أرملة—أن تحصن نفسها وتعيش حياتها بالزواج الحلال!
لماذا يُباح لها التعب والشقاء، ويُحرم عليها الاستقرار العاطفي والاجتماعي؟ مَن نحن حتى نُحلل ونُحرم ونمنع عباد الله من ممارسة حقوقهم الشرعية خوفاً من "كلام الناس"؟
شرع الله لا يعرف "زعل الناس"
إن الله سبحانه وتعالى عندما شرع الأحكام في كتابه العزيز، لم يطلب منا أن نراعي رضا البشر على حساب أوامره. فحق المرأة في الزواج بعد الانفصال أو الوفاة هو حق أصيل، وحق الرجل في التعدد—شرط العدل—هو أيضاً حق مشروع. لكن المجتمع اليوم يقبل العلاقات المشبوهة ويرفض الزواج الشرعي، ويصنع من العادات أصناماً تُعبد من دون أحكام الدين.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم مؤكداً على حق النساء بعد انقضاء عدتهن:
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 232].
فالعضل (أي المنع من الزواج) هو محاربة لأمر الله وطهارة المجتمع. وفي آية أخرى يصف الله الزواج بأنه آية من آياته تجلب السكن والمودة، ولم يخص بها البكر دون الثيب:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].
السُنّة النبوية: كسر القيود الجاهلية
إذا نظرنا إلى السيرة النبوية المطهرة، نجد أن الرسول ﷺ تزوج من الأرامل والمطلقات (كأم المؤمنين خديجة، وسودة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش رضي الله عنهن)، ليكون قدوة عملية في كسر نظرة المجتمع القاصرة.
وقد جاء في الحديث الشريف حثّ النبي ﷺ على إعانة وتيسير زواج الأيامى (مَن لا زوج لهم):
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» [رواه الترمذي].
ولم يقل النبي "إذا خطبكم فانتظروا رأي الجيران أو عادات المجتمع"، بل جعل المعيار الدين والخلق فقط.
ميزان العدل في التعدد
وعلى الجانب الآخر، وفي سياق الحديث عن حدود الله، نجد أن الشرع فتح باب التعدد للرجل بحكمة واشتراط صارم وهو "العدل"، فمن استطاع أن يعدل فله ذلك، ومن عجز فواحدة تكفي، كما قال تعالى:
{فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3].
هذا الميزان الإلهي جاء ليحمي المجتمع، لا ليخضع لأهواء الناس وما يعجبهم أو لا يعجبهم.
رسالة أخيرة: "إذاً.. فليتفلقوا!"
لن نوقف حياتنا، ولن ندفن أنفسنا في مقابر العادات والتقاليد البالية لإرضاء مجتمع لا يعجبه العجب. من أراد منكم أن يغضب من تطبيق شرع الله وحق المرأة أو الرجل في الحلال، فليغضب!
لقد كتب الله أحكامه لتُتبع، ولم يطلب منا إذنًا من أحد لكي نعيش في طاعته وحلاله. كفاكم وصاية على مشاعر البشر وحقوقهم، ودعوا الخلق للخالق، ولتمضِ الحياة كما أرادها الله، لا كما خططت لها عقولكم العقيمة.

تعليقات
إرسال تعليق