بقلم / محمـــد الدكـــروري
جاء في المصادر التاريخية أنه تغير مركز سيناء إبتداء من القرن الرابع عشر الميلادي، فقد رأيناها منذ الفتح الإسلامي مجرد قنطرة تعبرها القبائل المختلفة من بلاد الحجاز والشام في طريقها إلي وادي النيل، لكنها منذ ذلك التاريخ صارت منطقة تلجأ إليها القبائل، بعد أن توقف تقريبا سيل الهجرات العربية إلي مصر في عصر المماليك، حيث تم عزل العناصر العربية سياسيا ولم يعد هناك ما يدعو الحكام الجدد أن يستعينوا بالقبائل العربية في الحكم حتي يشجعوا هجرتها إلي مصر، ويعد العصر المملوكي بداية لمرحلة من الإستقرار في شبه جزيرة سيناء، نتيجة لتوقف موجات الهجرة العربية، والإهتمام الملحوظ بطريق الحج إلي مكة والمدينة، فقد قام السلطان بيبرس البندقداري بتمهيد طريق العقبة بعد فتح أيلة، فصار طريق السويس العقبة هو طريق الحج المصري، كما أمنوا الطريق إلي الشام من غارات العربان لتأمين طريق البريد بين مصر والشام.
وقد نمت العريش في العصر المملوكي، فقال عنها القلقشندي أنها مدينة ذات جامعين مفترق أي أنهما بعيدين عن بعضهما البعض وثمار وفواكه، لكن أصابها التدهور في نهاية العصر المملوكي، حيث يذكر النابلسي خلال رحلته إلي مصر في تلك الفترة بأن العريش فيها قلعة وزاوية، وبعض دور فناها خاوية إلا أن السلطان المملوكي قانصوة الغوري، قد اهتم بإنشاء القلاع في سيناء نظرا للأخطار التي كانت تحدق بدولته من ناحية الشرق وخاصة الخطر العثماني، ومن ثم انشأ قلعة نخل علي طريق الحج المصري وقلعة البغلة، ونقب العقبة، وكان اهتمام الدولة المملوكية بسيناء يهدف إلي تأمين حدود مصر الشرقية من الأخطار المحدقة بها ناحية الشرق، والتي كانت تتمثل حينذاك في بقايا الوجود الصليبي، بالإضافة إلي الخطر المغولي، كما حاولت من وراء إنشاء القلاع وترميمها علي طريق الحج أن تظهر بمظهر الدولة التي تؤمن لرعاياها المسلمين آداء فريضتهم الدينية.
حيث أن مثل هذا العمل يظهر السلاطين في عيون رعاياهم بمظهر ديني يليق بالألقاب التي اتخذها بعضهم كلقب خادم الحرمين الشريفين، ويذكر التاريخ أن السيدة مريم العذراء ووليدها المسيح عيسى عليه السلام، تعرضا لإضطهاد هيرودويس وجاءت تعليمات من السماء عندما ظهر ملاك الرب ليوسف النجار فى حلم قائلا " قم وخذ الصبى وأمه وأهرب إلى مصر، وكن هناك حتى أقول لك" فقام وأخذ الصبى وأمه ليلا وانصرف إلى مصر، ومرت مسيرة العائلة بمدينة رفح شرق العريش ويوجد بها حتى الآن أطلال لها صلة بالديانة المسيحية وكانت الغراما هى المحطة الأخيرة التى حلت بها العائلة المقدسة فى سيناء وتعتبر الآن من مراكز الرهبنة فى الديانة المسيحية، وسيناء هي شبه جزيرة صحراوية تشكل الجزء الآسيوي من مصر حيث تربط أفريقيا بآسيا عبر الحد المشترك مع فلسطين شرقا ويحدها من الشرق فالق الوادي المتصدع الممتد من كينيا عبر القرن الأفريقي إلى جبال طوروس بتركيا.
وهذا الفالق يتسع بمقدار واحد بوصة سنويا وإن الوضع الجغرافي لسيناء كان له تأثيره علي التوزيع السكاني، بل من الملاحظ أنه كان له أيضا تأثير علي الاسم الذي أخذته سيناء، فهناك خلاف بين المؤرخين حول أصل كلمة سيناء، فقد ذكر البعض أن معناها الحجر وقد أطلقت علي سيناء لكثرة جبالها، بينما ذكر البعض الآخر أن اسمها في الهيروغليفية القديمة توشريت أي أرض الجدب والعراء، وعرفت في التوراة باسم حوريب، أي الخراب، لكن المتفق عليه أن اسم سيناء، الذي أطلق علي الجزء الجنوبي من سيناء مشتق من اسم الإله سين وهو إله القمر في بابل القديمة حيث انتشرت عبادته في غرب آسيا وكان من بينها فلسطين، ثم وافقوا بينه وبين الإله تحوت إله القمر المصري الذي كان له شأن عظيم في سيناء وكانت عبادته منتشرة فيها، ومن خلال نقوش سرابيط الخادم والمغارة يتضح لنا أنه لم يكن هناك اسم خاص لسيناء، ولكن يشار إليها أحيانا بكلمة بياوو، أي المناجم أو بيا، فقط أي المنجم.
وفي المصادر المصرية الآخري من عصر الدولة الحديثة يشار إلي سيناء باسم خاست مفكات، وأحيانا دومفكات أي مدرجات الفيروز، أما كلمة الطور التي كانت تطلق علي سيناء في المصادر العربية، فهي كلمة أرامية تعني الجبل، وهذا يعني أن طور سيناء تعني جبل القمر، وكان قدماء المصريين يطلقون علي أرض الطور اسم ريثو بينما يطلقون علي البدو في تلك المنطقة بصفة عامة إسم عامو.

تعليقات
إرسال تعليق