بقلم/ محمد الشحات سلامة
محرر إعلامي وصحفي
في عالم كرة القدم، يبقى صخب الجماهير ومناوشات منصات التواصل الاجتماعي مجرد "مؤثرات صوتية" تذروها الرياح، بينما تبقى "الأرقام والإحصائيات" هي الحقيقة المطلقة والوحيدة المدونة في سجلات التاريخ الإنساني والرياضي. وعندما نفتح كتاب "الدوري المصري الممتاز" منذ ضربة البداية عام 1948، فإننا لا نقرأ مجرد حكايات عن أهداف شباك تمزقت، بل نطالع خريطة نفوذ كروي واضحة المعالم، تُحدد الأحجام والمقامات الرياضية بدقة متناهية وبحكم التاريخ الذي لا يرحم والمواجهات المباشرة التي لا تجامل.
البداية والنسق التاريخي: تسعة عقود من الاحتكار الأحمر
منذ أن انطلقت المسابقة في موسم (1948-1949)، لم يترك النادي الأهلي مجالاً للمصادفة؛ إذ فرض هيمنة مطلقة باحتكاره اللقب في أول تسعة مواسم متتالية، مغلقاً خزائن البطولة أمام الجميع، حتى عرف الفارس الأبيض (نادي الزمالك) طريق منصة التتويج لأول مرة في موسم (1959-1960).
هذه البداية لم تكن مجرد طفرة، بل أسست لـ"نسق تاريخي" تحول مع مرور العقود إلى قاعدة زمنية ثابتة تحكم المسابقة. وإذا ما قمنا بتفكيك هذه العقود من منظور تحليلي رقمي محايد، سنجد أمامنا حقيقة رقمية صارمة تُثبت أن فوز المنافس التقليدي بالبطولة لم يكن يخرج عن كونه "استثناءً" يؤكد القاعدة ولا ينفيها.
تشريح العقود: "عقد عجاف" كامل خارج الخدمة
تُثبت القراءة الرقمية المستفيضة أن محصلة نادي الزمالك عبر العقود كانت تدور في فلك "بطولتين في كل 10 سنوات"، مع استثناءات ضئيلة قفزت بالرقم إلى ثلاث بطولات في بعض الحقب، بل إن هناك عقوداً سقطت تماماً من حسابات الفارس الأبيض:
حقبة الستينيات: شهدت فوز الزمالك بلقبين متتاليين (63/64 و 64/65) وسط محاولات من أندية أخرى كالترسانة والإسماعيلي والأوليمبي، قبل أن تتوقف الحياة الرياضية بحرب 1967.
حقبة السبعينيات والثمانينيات: استمر ذات المعدل تقريباً، حيث ظفر الأبيض ببطولتي (77/78) و(83/84) ثم (87/88)، وهي فترات شهدت بزوغ أجيال فنية متميزة في ميت عقبة، لكنها عجزت عن زعزعة العرش الإجمالي للمارد الأحمر.
حقبة التسعينيات: تكرر المشهد التاريخي بذات النسق الثابت؛ لقبان متتاليان في بداية العقد (91/92 و 92/93)، أعقبهما حصار أحمر طويل الأمد لسبعة مواسم متتالية.
الألفية الجديدة وطفرة تلاها "عقد عجاف" كامل: شهدت الفترة من 2000 إلى 2004 طفرة واضحة للزمالك بتحقيقه 3 ألقاب، لكن التاريخ سجل بعد ذلك واحدة من أكبر فترات الصيام الرقمي في تاريخ النادي، حيث غاب درع الدوري عن خزائن ميت عقبة لمدة 11 عاماً كاملة (منذ عام 2004 وحتى 2015). في هذه الحقبة تلاشت المنافسة الفعلية، وفرض الجيل الذهبي للأهلي بقيادة البرتغالي مانويل جوزيه هيمنة مطلقة ومستمرة أعادت صياغة الفوارق الرقمية بشكل غير مسبوق.
العقد الأخير وحتى اليوم: بالرغم من كسر الصيام بلقب (2014/2015)، ثم ثنائية (2020/2021 و 2021/2022)، وصولاً إلى التتويج الأخير في هذا الموسم الاستثنائي (2025/2026) الذي جاء وسط أزمات قيد إدارية معقدة؛ إلا أن هذه الفترات تظل -بحكم لغة الأرقام الإجمالية وعقود الصيام الممتدة- مجرد ومضات في تاريخ المسابقة الكلي.
كبرياء المواجهات المباشرة وسيكولوجية "الرايح جاي"
لا ينفصل صراع منصات التتويج عن كبرياء "مباريات القمة"؛ فحين تبتعد الدروع ويسود الصيام اللقبي، تفتش الجماهير في دفاتر المواجهات المباشرة. ومن الإنصاف التاريخي الإشارة إلى أن بعض المواسم الشحيحة التي حقق فيها الأبيض اللقب، شهدت تفوقاً مباشراً له في مباراتي الذهاب والإياب (رايح جاي)، وهو ما تراه أدبيات مشجعيه صكاً للجدارة الفنية وتأكيداً على التفوق المباشر.
ولكن، عندما يتحدث التاريخ العام للمسابقة، فإن التفوق الرقمي في إجمالي مواجهات القمة -محلياً وقارياً (ولعل نهائي القرن 2020 يظل الشاهد الأبرز في العصر الحديث)- يميل بكفة الميزان بشكل قاطع لصالح الشياطين الحمر، مما يجعل التفوق المؤقت في بعض المواسم مجرد تفصيل صغير في رواية حمراء ممتدة.
فصل الخطاب
إن حكاية الدوري المصري الممتاز ستبقى دائماً محكومة بمسارين لا يلتقيان:
الأول: مسار الهيمنة التاريخية المطلقة التي تضع الأهلي في مرتبة "الملك المتوج" للكرة المصرية بفارق هائل من الدروع، عززته سنوات الصيام الطويلة للمنافس، مما يجعل من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- اللحاق به في المنظور القريب أو المتوسط.
والثاني: مسار الاستثناءات الفنية والمناوشات الموسمية التي يحققها الزمالك من وقت لآخر ليثبت جدارته كقطب ثانٍ، لكنه يبعده بمراحل ضوئية عن الصدارة التاريخية.
على الجميع أن يهدأ، وأن يقرأ لوحة النتائج جلياً؛ فموقع كل نادٍ تحدده منارة التاريخ وصوت الأرقام، والتاريخ يقول: أمامكم الكثير والكثير لتشموا رائحة الدرع مجدداً، فاحترموا المنطق، واحنوا الرؤوس لأحكام الأرقام.

تعليقات
إرسال تعليق