القائمة الرئيسية

الصفحات

زهرة في العاصفة
في مستشفى صغير على أطراف قرية هادئة، حيث تختلط أنفاس الأمل بآهات الألم، وُلدت طفلة كأنها زهرة بيضاء في بستان نديّ. كانت صرختها الأولى خفيفة كنسمة، فابتسمت الأم رغم تعبها وهمست أنها قطعة من نور، بينما اقترب الأب وعيناه تلمعان بحب لم يعرفه من قبل وقال إنها ليست طفلة بل حياته كلها. لكن الفرح لم يكتمل، إذ أخبرهم الأطباء أن الطفلة بحاجة إلى البقاء في المستشفى أيامًا إضافية بحجة المرض.  

كانت الأم تعدّ الساعات لرؤيتها، بينما الأب يطمئنها بأنها ستعود إليهم قريبًا. غير أن خلف الجدران البيضاء لم يكن المرض هو الحقيقة، بل كانت هناك يد غادرة تخطّط في صمت. وفي ليلة ساكنة نُفّذت الجريمة، وسُرقت الطفلة من سريرها بلا أثر كأنها لم تكن. ثم خُدّر الأب بقهوة ممزوجة بمواد مهلوسة حتى لا يستوعب ما يجري، وحين استعاد وعيه قيل له ببرود إن رضيعتك توفيت وقد دُفنت.  

عاد إلى البيت منهكًا يحمل كلمات لا يصدقها، وحين سألته الأم أين ابنتي أجاب بصوت مكسور أنهم قالوا إنها ماتت. لكن الحقيقة لم تستقر في قلبه، ومرّت أيام ثم قال فجأة إن هذا غير صحيح. نظر إليه ابنه الأكبر باستغراب، فأجاب بحزم لم يعرفوه من قبل: كيف تُدفن ابنتي دون أن أراها؟ إنها حيّة وسأجدها. ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة البحث في الجرائد والإذاعات والحصص التلفزيونية، وكان صوته يعلو دائمًا ليقول إن ابنته سُرقت من المستشفى ولم تمت.  

كبر الأب وهو يبحث وكبرت معه الحسرة حتى أثقله الشوق. وفي ليلة هادئة استدعى ابنه الأكبر وكانت أنفاسه متقطعة وعيناه تحملان وصية العمر، فأمسك بيده وقال إن متّ فلا تتوقف. فارتجف الابن وقال لا تقل هذا يا أبي سنجدها معًا، لكنه أجاب بصوت ضعيف أن أختك أمانة في عنقك واصل البحث عنها ولا تتركها وحدها، ثم همس أنه مات شوقًا لها. وفي تلك الليلة رحل الأب لكن الوصية بقيت حيّة، فحملها الابن الأكبر وجمع إخوته وقال لن نتوقف فهذا عهد.  

استمرّت رحلة البحث سنوات طويلة حتى جاء اليوم الذي وصلهم فيه خبر عن فتاة تحمل ملامحهم. ذهبوا إليها بقلوب مثقلة بالأمل والخوف، لكنهم لم يجدوا الطفلة التي حلموا بها بل وجدوا فتاة أنهكتها الحياة تحمل اسمًا غريبًا وروحًا ضائعة. قال لها الأخ الأكبر نحن أهلك وأبوك مات وهو يبحث عنك، فاهتزّت نظرتها لكن الألم كان أعمق من التصديق وقالت إنها لا تعرفهم. لقد سُرقت ثم بيعت فضاعت في دروب موحشة، لم تجد رعاية ولا تعليمًا، ودُفعت إلى زواج مبكر قاسٍ، وعاشت مرضًا مزمنًا أنهك جسدها، كل ذلك بسبب خذلان من تولّوا أمرها بلا رحمة ولا مسؤولية.  

قالت الأم باكية عودي إلينا، فأجابت بصوت خافت أنكم تأخرتم كثيرًا. كان اللقاء موجعًا كأن الحقيقة وصلت لكنها وصلت متأخرة، فعادوا يحملون وجعًا أكبر من الغياب. ومع مرور الزمن جاء الخبر الأخير أنها رحلت. فوقفت الأم صامتة، أما الأخ الأكبر فرفع رأسه نحو السماء وقال يا أبي وجدناها لكننا فقدناها مرة أخرى.  

هناك، في عالم لا ظلم فيه، اجتمعت الأرواح والتقت الطفلة بأبيها بعد أن مات شوقًا إليها، وكان اللقاء عدلًا سماويًا بعد ظلم الأرض. أما هنا، فتبقى القصة شاهدًا لا يُمحى أن لا مسامحة لمن سرقوا أطفالًا من أحضان آبائهم، ولا عذر لمن أضاعوا الأمانة، ولا رحمة لمن حرموا طفلة من حياتها وتعليمها وطفولتها وزجّوا بها في قسوة لم تخترها ومرض لم يُراعَ. وكان الله عونًا لها وشاهدًا على كل من ظلمها في حياتها و حتى مماتها.

قلم الأستاذة خديجة آلاء شريف 
الجزائر 
4/5/2026

تعليقات