بقلم الكاتبة :أمل أبوريدة
في خضم الحديث عن تعديل قانون الأسرة، يبرز مقترح نقل الحضانة إلى الأب مباشرةً بعد زواج الأم كأحد أكثر البنود إثارةً للجدل والقلق. هذا المقترح، رغم ما قد يبدو عليه من سعي لتحقيق “التوازن”، يحمل في طياته تهديدًا حقيقيًا لاستقرار الطفل النفسي والاجتماعي، ويغفل طبيعة الدور الفعلي لكل من الأب والأم في حياة الأبناء.
الطفل، في سنواته الأولى، لا يحتاج فقط إلى رعاية مادية، بل إلى احتواء عاطفي واستقرار نفسي، وهو ما تمثله الأم في أغلب الحالات. فالأم ليست مجرد طرف في معادلة الحضانة، بل هي البيئة الأولى التي نشأ فيها الطفل، وهي الأكثر دراية بتفاصيله اليومية واحتياجاته الدقيقة. انتزاع الطفل من هذا الحضن بسبب زواج الأم لا يمكن اعتباره “تنظيمًا قانونيًا”، بل هو صدمة نفسية قد تترك آثارًا طويلة الأمد على شخصيته وسلوكه.
الأخطر من ذلك، أن مثل هذا التعديل قد يدفع بعض الأمهات إلى طرق ملتوية هروبًا من فقدان أطفالهن. فبدلًا من أن يوفر القانون حماية واستقرارًا، قد يُجبر الأم على إخفاء حياتها الشخصية، فتضطر إلى اللجوء للزواج العرفي خوفًا من سحب الحضانة منها إذا تزوجت بشكل رسمي. وهنا نحن لا نحمي الأسرة، بل نصنع أزمة جديدة أكثر تعقيدًا، نفتح بابًا لعلاقات غير موثقة قانونيًا، ونضع المرأة في موقف هشّ، ونعرّض الأطفال أنفسهم لبيئة غير مستقرة وغير واضحة المعالم.
أي قانون هذا الذي يدفع الأم للاختيار بين حقها الطبيعي في تكوين حياة جديدة بشكل مشروع، وبين حقها في تربية أبنائها؟ وأي مصلحة للطفل في أن يعيش وسط هذا التوتر والخوف المستمر؟ بدلًا من معالجة المشكلة، نحن نخلق مشكلة أكبر، قد تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله.
من ناحية أخرى، فإن الواقع العملي يفرض نفسه. الأب، في الغالب، مرتبط بعمله ومسؤولياته خارج المنزل، وهو ما يجعله غير قادر على التفرغ الكامل لتربية طفل يحتاج إلى متابعة مستمرة. وهنا يظهر التساؤل: من سيتولى الرعاية الفعلية؟ في كثير من الحالات، تكون الإجابة هي زوجة الأب، وهي شخص غريب عن الطفل، لا تربطه بها نفس العلاقة العاطفية التي تجمعه بأمه. فهل من العدل أن يُنتزع الطفل من أمه ليُربى على يد زوجة الأب؟
الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل إن المنطق نفسه يُهدم عندما نعلم أن الأب، مثل الأم، قد يتزوج بعد الطلاق. فلماذا يُسمح له بالاحتفاظ بالحضانة رغم زواجه، بينما تُسلب من الأم لنفس السبب؟ أين مبدأ المساواة؟ وأين مصلحة الطفل التي يُفترض أن تكون الأساس في أي تشريع؟
الحقيقة التي لا يجب تجاهلها هي أن الحضانة ليست “حقًا” للأب أو الأم بقدر ما هي “حق للطفل”. والطفل من حقه أن ينشأ في بيئة مستقرة، يشعر فيها بالأمان والحنان، وليس في أجواء من الصراعات القانونية والقرارات المفاجئة التي تقلب حياته رأسًا على عقب.
إذا كان الهدف هو تحقيق التوازن وإعطاء الأب دورًا أكبر في حياة أبنائه، فالحل لا يكون بنزع الحضانة من الأم، بل بتعديل نظام الاستضافة. من حق الأب أن يقضي وقتًا كافيًا مع أطفاله، وأن يشارك في تربيتهم، ويمكن تحقيق ذلك من خلال منحه حق الاستضافة يومًا أو يومين أسبوعيًا بشكل منظم يضمن مصلحة الطفل أولًا، ويعزز علاقة الأب بأبنائه دون أن يهدد استقرارهم.
ختامًا، إن أي تعديل في قانون الأسرة يجب أن ينطلق من مبدأ أساسي لا خلاف عليه: مصلحة الطفل فوق كل اعتبار. وأي قرار يُعرض الطفل لاضطراب نفسي أو يفصله عن مصدر أمانه الأول، هو قرار يحتاج إلى إعادة نظر حقيقية. فالأم ليست مجرد “مرحلة” في حياة الطفل يمكن استبدالها، بل هي أساس لا يمكن تعويضه

تعليقات
إرسال تعليق