الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني
قراءة تحليلية نقدية في ظاهرة اجتماعية يسودها الفساد القضائي
،؛، الحقيقة لا تشوّه الظالم ولكن تسقط القناع عن أفعاله، ولذلك يغضب ويحارب من كشف حقيقته النتنه.،؛،
في القضايا التي تتطرّق إلى الكرامة الإنسانية وتقابلها مواقف من يفترض أنهم حماة العدالة بالصدّ، تتكشّف حينها هوّة عميقة بين ما ينبغي أن يكون عدلا، وما يمارس فعليا داخل أروقة القضاء. هذه القضايا التي تمس العرض يشنقها حبل حكم صادر غير مشروع، مما تترك أثرا بالغ السمّية في الرأي العام، حين يشعر الناس بفقدان الأمان مع عدالة لا تنصف أصحاب الحق كما يستحقّون.
تبقى قضية المرأة الفاضلة ريحانة جباري واحدة من أكثر النماذج إثارة للجدل. شابة اختارت الطريق الصحيح فدافعت عن نفسها وعرضها في لحظة تهديد، بينما قرأت المؤسسة القضائية فعلها من زاوية أخرى تستوجب أقصى العقوبات. فكيف تفسّر حدود الدفاع عن الشرف من التدنيس؟ ومن يملك سلطة وأده؟
في كثير من المجتمعات، ينظر إلى القضاء كجهاز لا يفصل في النزاعات بقدر ما يخلّ بالميزان الأخلاقي العام، فتهتزّ الثقة في المنظومة برمّتها. ما المعايير التي تبنى عليها إصدار الأحكام، ومدى قدرتها على تحقيق إنصاف المظلوم وإدانة من ظلمه؟ وكيف يمكن تحقيق توازن حقيقي بين حماية المجتمع وضمان حقوق الأفراد وصون أعراضهم وشرفهم وكرامتهم؟
• رابط المقال السابق:
https://alakhbrianews.blogspot.com/2026/03/blog-post_86.html
كنت قد تناولت سابقا قضية السيدة ريحانة جباري ضمن مقالاتي لما زّج بها في السجن، ثم عدت إليها في سياق أوسع من خلال مقال نشر بعنوان "تناسخ الأرواح". إنها امرأة طاهرة تستحق التوقف عندها احتراما وتقديرا لشخصها ولموقفها الرادع للمعتدي، ما يفتح باب التساؤل حول مصير الحقوق التي تنتزع من غير وجه حقّ، وحول الكيفية التي لا تحقّق التوازن في الوعي الفردي والجماعي.
فهل تضيع الحقوق المسلوبة غصبا؟ أم أن الله سينصفه وتعود إليه حقوقه في النهاية بطرق قد لا تدركها العيون مباشرة؟
قد يأتيك حقّك في صورة رزق لا تتبيّنه من البداية؛ فليس ضروريا أن يصل إليك بالشكل الذي رسمته في ذهنك. وقد يكون قد عاد إليك فعلا في هيئة عافية ترمّمك، أو سعة تغنيك؛ إذ العبرة في أن الحقّ وجد طريقه إليك بشكل أتمّ وأفضل مما تتصوّره.
ومن هذا المنطلق، تجسّد حادثة هذه السيدة التي أعدمت ظلما قصة كرامة إنسان واجه الخطر الذي قد يغير مسار حياته إلى الأبد، وهو يدافع عن نفسه شرفه وكرامته حتى اللحظة الأخيرة.
المرأة انتقلت إلى الجنّة؛ لأنها ماتت في سبيل الدفاع عن شرفها. كما قال محمد الرسول:"من قُتل دون عرضه فهو شهيد»،
فما قامت به هو من أسمى صور الصمود الإنساني.
فهذه السيدة شهيدة عند الله؛ ماتت دون عِرضها. وليس هذا فقط، بل إن الله سخّر من ينتقم لشرفها، فقد قتل القاضي الذي حكم بغير عدل في قضيتها، ومن شارك في إعدامها. فهل اكتفى الله بأن رزقها الجنّة؟ كلا، وإنّما قتل من اعتدى عليها وكل من حكم ظلما في قضيتها؛ وهكذا فازت في الدنيا والآخرة، وخسروا هم الدنيا والآخرة.
كثير من القضاة يأتيهم من يدفع لهم رشاوي فيقبلونها، ثم يبرّئون المجرمين والطغاة والظلمة والمنحرفين مقابل المال، وكأنّ المال يسدّ فجوة الجريمة التي يرتكبونها أو الظلم الذي يقترفونه. وأيّا كان ما يفعلونه، يبقى الظلم أكبر من مقدار المال الذي يدفعونه.
فنجد القضاة صاروا تجّارا يتاجرون في المظالم، وكأنهم لم يقرأوا ولم يتفقّهوا في الدين وولم يدرسوا القانون مطلقا، بل صار الواحد منهم مجرد تاجر له دكّان في السوق العام، وعليه لافتة كتب عليها «العدالة»، وهو في الوقت نفسه يبيع ويشتري في العدالة كبضاعة مزجاة.
فجاءت تلك السيدة المظلومة إلى «تاجر العدالة»، فأخبرته أن الظالم اعتدى على شرفها، فقال لها: «ما كان لك أن تقتليه»، أو «ما كان لك أن تدافعي عن شرفك»، فدافع عن الظالم كأنه هو البريء، وقضى على المظلومة بالحكم عليها بالإعدام. فأجابته: «لو كنت تعرف ما معنى الشرف لما حكمتَ على الشرف بالإعدام»، فأمر بقتلها.
فلما أعدم الشرف وأخذ مقابله مالا، ماذا حدث؟ أنفق المال في الحرام،
ضيّع المال وضيع الشرف.
فبعث الله إليه عبدا من عباده فقطع رأسه ورؤوس من ساندوه في هذه المسألة.
العديد من هذه القضايا بات يحدث يوميّا في الأوطان العربية، خاصة في الدول المتخلّفة. في الحديث عن اختلالات العدالة، يتكرّر تورّط القضاة وانخراطهم في ممارسات فاسدة؛ فالقضاء، منظومة تضمّ من ينحرفون عن الحقّ ولا يلتزمون بالمعايير المهنية للمؤسسة القضائية. جميعهم يأخذون أموالا رشاوي مقابل المتاجرة في أعراض الناس، وفي مظاليمهم، وفي أموال اليتامى والميراث، مقابل الإخلال بالنظام والقوانين وشرع الله. فلا هم حكموا بكتاب الله، ولا بسنّة رسوله، ولا بالكتب السماوية التي أنزلت من قبل، ولا بقوانين البشر.
حين يستبدل ميزان العدالة بميزان المال. وحين تبدل كفّة الحق بكفّة الرشاوى، يصبح شعارهم وعقيدتهم وكتابهم الذي يسيرون عليه: "معك مال فأنت بريء، وليس معك مال فأنت مُدان".
ما عقاب تجار العدالة هؤلاء حاليّا؟
حقّا أقول لكم؛
ستشنّ حملة شرسة ربّانية على هؤلاء القضاة المجرمين الذين يتاجرون بكتاب الله وشرعه، سواء كانوا في باطن الأرض أو على سطحها، ولكل واحد منهم مصير مجهول.
وعليه، نبارك للسيدة ريحانة التي ماتت حفاظا على شرفها،
وهنيئا لها فوزها بالجنّة في الآخرة، والفوز بتحقيق العدالة لها في الدنيا، وأنّ الله أكرمها بالقصاص ممّن حاولوا تدنيس شرفها، وذكرهم الإعلام بالخزي والعار، وهم الآن إلى مزبلة التاريخ.
اليكم التفاصيل التي ذكرنا فيها أن كل من قتلوا ريحانة سيقتلون:
ففي 28 فيفري 2026، نشرت مقالا ثانيا بعنوان "المنذرين والتناسخ عند البشر"، استحضرت فيه نماذج من المظلومين الذين يخذلون في الأرض، لكن قصصهم لا تنتهي عند لحظة الظلم. توقّفت عند قضية السيدة ريحانة التي دافعت عن شرفها ولم ينصفها القانون، وقلت:
"إنّهم يخرجون بدعواتهم؛ وينادون بالعدل. كم من شابّ في عائلته يدعو من حوله، ولا أحد يصغي أو يكترث. هم في بلدان شتّى، وفي مواقع متفرّقة. ألم تسمعوا عن كثيرين زجّ بهم في السجون؟ وعن نساء قتلن وقطّعن ظلما؟ وتلك التي أراد أن يعتدي عليها فقتلته، ولمّا سئلت عن سبب قتله، قالت إنها دافعت عن شرفها، ولمّا قيل لها إن الشرف ليس عندها، أجابت بثبات أنه هو من لا شرف له. أليست هذه المرأة تشبه آسيا؟ أو فاطمة؟
تزامن مقتل القاضي الذي حكم بإعدامها مع ذكر هذه الحالة في المقالات، فاعتبر تجسيدا للفكرة المطروحة؛ إذ قدّمت كقراءة لنمط يتكرر في المجتمعات العربية، حيث يقهر المظلوم ولا ينصف، ويهمّش صوت الحق في قضايا تغلق قضائيّا، لكنها تبقى مفتوحة في ميزان العدل الإلهي الأوسع.
ريحانة جباري ملایري (1988–2014)، مصمّمة ديكور إيرانية، أُدينت عام 2007 بتهمة قتل موظف استخبارات إيراني سابق، وقالت إنها قتلته «دفاعا عن النفس» بعد أن حاول اغتصابها. وجدت نفسها في مواجهة اعتداء خطير على شرفها وكرامتها من قبل ضابط الاستخبارات مرتضى عبد العلي سربندي، فكان ردّها دفاعا عن نفسها في لحظة حاسمة. غير أن مسار القضية داخل أروقة القضاء تتعامل مع الحدث كجريمة قتل تستوجب العقاب، لا دفاعا عن النفس، فتمت إدانتها بالإعدام شنقا.
وخلال المحاكمة، سألها القاضي محمد مقيسه: «لماذا قمتِ بقتل الضابط؟» فأجابت: «لأنه أراد الاعتداء على شرفي». فردّ عليها: «هذا لا يستدعي القتل»، فأجابته بجرأة: «لأنك بلا شرف». انتهت القضية بحكم الإعدام، ونُفّذ في 25 أكتوبر 2014، لتصبح ريحانة رمزا عالميا للجدل حول حدود الدفاع عن النفس نزاهة المحاكمات ومكانة المرأة في مواجهة العنف. وقد أثارت قضيتها موجة استنكار واسعة؛ إذ شكّكت الأمم المتحدة في عدالة المحاكمة، وطالبت منظمة العفو الدولية بوقف تنفيذ الحكم، دون جدوى. وفي بعض الدول، جُمعت نحو 200 ألف توقيع لمنع إعدامها، كما أُجّل تنفيذ الحكم لفترة تحت الضغط الدولي، لكن كل جهود الوساطة لم تنجح، ونُفّذ الحكم في النهاية. بعد سنوات، عاد اسم القاضي محمد مقيسه إلى الواجهة، بعد حادثة مقتله داخل مبنى المحكمة العليا في طهران.
حادثة وقعت في مكان سلطته، وبين حراسته، وفي قلب المؤسسة التي مثّل فيها القوة والحكم.
هذا التزامن أعاد إحياء النقاش حول فكرة "القصاص" في الوعي الجمعي، كتصور أخلاقي يتجاوز الزمن.

تعليقات
إرسال تعليق