بِقَلَم: فُؤَاد زَادِيكِي
فِي أَزْمِنَةٍ غَابِرَةٍ، حِينَ كَانَتِ القِيَمُ أَصِيلَةً وَالنُّفُوسُ أَقْرَبَ إِلَى فِطْرَتِهَا النَّقِيَّةِ، عَاشَ النَّاسُ حَيَاةً يَكُونُ فِيهَا الصِّدْقُ لُغَتَهُمُ اليَوْمِيَّةُ، وَالأَمَانَةُ سِمَتَهُمُ الغَالِبَةُ، لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَصَنُّعٍ وَلَا إِلَى تَزْيِيفٍ. كَانَتِ الكَلِمَةُ عِنْدَهُمْ عَهْدًا، وَالوَعْدُ مِيثَاقًا، وَالنَّظَرَةُ مِرْآةً لِمَا فِي القُلُوبِ مِنْ صِدْقٍ وَنَقَاءٍ. وَلِأَنَّ الإِنْسَانَ، بِطَبِيعَتِهِ، يَمِيلُ أَحْيَانًا إِلَى المُدَاعَبَةِ وَالخُرُوجِ عَنِ الجِدِّيَّةِ، اخْتَرَعُوا يَوْمًا وَاحِدًا فِي العَامِ، يَسْمَحُونَ فِيهِ لأَنْفُسِهِمْ بِقَدْرٍ مِنَ المُزَاحِ الَّذِي يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ شَيْئًا مِنَ الكَذِبِ الخَفِيفِ، وَسَمَّوْهُ «يَوْمَ الكَذِبِ»، كَأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ صَغِيرٌ فِي بَحْرٍ وَاسِعٍ مِنَ الصِّدْقِ.
وَلَكِنَّ الصُّورَةَ انْقَلَبَتْ فِي زَمَنِنَا هَذَا انْقِلَابًا مُؤْلِمًا، فَلَمْ يَعُدِ الكَذِبُ اسْتِثْنَاءً، بَلْ أَصْبَحَ – فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ – قَاعِدَةً تُبْنَى عَلَيْهَا العَلَاقَاتُ وَتُدَارُ بِهَا المَصَالِحُ. تَرَى الإِنْسَانَ يَتَزَيَّنُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، وَيَتَحَايَلُ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَيُجَمِّلُ الأَكْذُوبَةَ حَتَّى تَغْدُوَ فِي أَعْيُنِ بَعْضِهِمْ حِكْمَةً أَوْ حُسْنَ تَدْبِيرٍ. وَمَا بَيْنَ سَعْيٍ لِمَكْسَبٍ زَائِلٍ، أَوْ هُرُوبٍ مِنْ مَسْؤُولِيَّةٍ، أَوْ خَوْفٍ مِنْ مُحَاسَبَةٍ، يَتَوَسَّعُ مِدَارُ الكَذِبِ حَتَّى يَكَادُ يَخْنُقُ الصِّدْقَ فِي مَهْدِهِ.
وَإِذَا أَطَلَّ عَلَيْنَا الأَوَّلُ مِنْ نِيسَانَ مِنْ كُلِّ عَامٍ، احْتَفَلَ النَّاسُ بِمَا يُسَمُّونَهُ «كَذِبَةَ نِيسَانَ»، فَتَتَدَافَعُ النُّكَتُ وَالأَخْبَارُ المُفْتَعَلَةُ، وَيَتَبَادَلُ الجَمِيعُ الأَكَاذِيبَ عَلَى سَبِيلِ المُزَاحِ. وَهُنَا تَبْدُو المُفَارَقَةُ مُؤْلِمَةً: كَيْفَ نَخْتَصُّ يَوْمًا لِلْكَذِبِ، وَنَحْنُ نُغَالِي فِيهِ سَائِرَ أَيَّامِنَا؟ أَلَيْسَ الأَجْدَرُ بِنَا أَنْ نَخْتَارَ يَوْمًا نُعِيدُ فِيهِ الاِعْتِبَارَ لِلصِّدْقِ، نُرَاجِعُ فِيهِ أَنْفُسَنَا، وَنُصَارِحُ ذَوَاتِنَا قَبْلَ أَنْ نُصَارِحَ الآخَرِينَ؟
إِنَّ الحَاجَةَ اليَوْمَ لَيْسَتْ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الأَكَاذِيبِ المُزَخْرَفَةِ، بَلْ إِلَى لَحْظَةِ وَعْيٍ صَادِقَةٍ، نُدْرِكُ فِيهَا أَنَّ الكَذِبَ، وَإِنْ حَقَّقَ مَنْفَعَةً عَابِرَةً، فَإِنَّهُ يَهْدِمُ بُنْيَانَ الثِّقَةِ الَّذِي لَا تَقُومُ الحَيَاةُ الإِنْسَانِيَّةُ إِلَّا بِهِ. وَأَنَّ الصِّدْقَ، وَإِنْ كَانَ مُرًّا فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ، فَهُوَ الطَّرِيقُ الوَحِيدُ إِلَى سَكِينَةِ الضَّمِيرِ وَنُبْلِ العَلَاقَاتِ.
فَلْنَجْعَلْ مِنْ هَذَا اليَوْمِ – بَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ مَهْرَجَانًا لِلْكَذِبِ – مَوْسِمًا لِلصِّدْقِ، نَتَعَلَّمُ فِيهِ كَيْفَ نَكُونُ أَوْفِيَاءَ لِكَلِمَاتِنَا، وَصَادِقِينَ مَعَ أَنْفُسِنَا وَمَعَ مَنْ حَوْلَنَا. فَرُبَّ يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنَ الصِّدْقِ الصَّافِي يُعِيدُ إِلَى القُلُوبِ تَوَازُنَهَا، وَيَذْكُرُنَا بِمَا كُنَّا عَلَيْهِ، وَبِمَا يَنْبَغِي أَنْ نَكُونَ عَلَيْهِ.
وَفِي النِّهَايَةِ، لَعَلَّ أَعْظَمَ المُفَارَقَاتِ أَنْ نَضْحَكَ مِنْ كَذِبَةٍ عَابِرَةٍ فِي نِيسَانَ، بَيْنَمَا نَتَغَافَلُ عَنْ حَقِيقَةٍ أَكْبَرَ: أَنَّ الحَاجَةَ المُلحَّةَ فِي عَالَمِنَا اليَوْمَ لَيْسَتْ إِلَى يَوْمٍ نُبِيحُ فِيهِ الكَذِبَ، بَلْ إِلَى أَيَّامٍ نُحْيِي فِيهَا الصِّدْقَ، وَنُرَبِّي عَلَيْهِ أَجْيَالَنَا، لَعَلَّنَا نَسْتَعِيدُ شَيْئًا مِنْ نَقَاءِ تِلْكَ الأَزْمِنَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا الصِّدْقُ هُوَ الأَصْلُ، وَالكَذِبُ مُجَرَّدَ اسْتِثْنَاءٍ لَا يُذْكَرُ.
تعليقات
إرسال تعليق