القائمة الرئيسية

الصفحات



الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني 


قراءة تحليلية في واقع اجتماعي متصدّع 


انتشر مؤخرا خبر فتاة مصرية أنهت حياتها بإلقاء نفسها من الطابق الثالث عشر، فاشتعلت الألسن بالحديث، وانشغل الناس بالسؤال: هل ما فعلته حلالا أم حراما؟ وهل يحكم عليها بالكفر أم لا؟ وكأنّ قضية الانتحار هذه تنتظر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية وجامع الأزهر وأئمة البلاط المتنكّرين لدينهم الإسلام، إصدار فتوة جديدة أو حكما يستفتون فيه لا يعلمونه، وليس في مأساة اجتماعية تمسّ المجتمع العربي أجمع وتستدعي فهما أعمق لما يبدو من الوهلة الأولى.

مع أنّ النصوص واضحة في تحريم قتل النفس، وقد تكرّر التحذير منه في القرآن الكريم والسنة النبوية، فإنّ إعادة السؤال بهذه الطريقة تكشف خللا في ترتيب الأولويات. فالمسألة في كون الفعل محرّم هذا معلوم من القرآن.

قوله تعالى: 

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ۝ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.


عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتمنَّ أحدكم الموت؛ إما مُحسنًا فلعله يزداد، وإما مُسيئًا فلعله يستعتب».

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجّأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًّا فقتل نفسه، فهو يتحسّاه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردّى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا».


وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا، فقال لرجلٍ ممن يُدعى بالإسلام: «هذا من أهل النار». فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالًا شديدًا، فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الرجل الذي قلت له آنفًا إنه من أهل النار، فإنه قاتل اليوم قتالًا شديدًا وقد مات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلى النار». فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن به جراحًا شديدًا، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه. فأُخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله»، ثم أمر بلالًا فنادى في الناس: «إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.


بعض الناس يسألون عن أمور وكأنّهم لم يستمعوا إلى الإمام وهو يتلو هذه الآيات في صلواتهم في المساجد، أو كأنها غير موجودة في القرآن، ولا يعرفون عنها شيئا، أو لم يسمعوا بأحاديث رسول الله، حتى يقولوا لهؤلاء الأئمة الخونة أن يفتوا لهم في قضايا قد فصل فيها في القرآن. فبماذا يفتون؟ إنّما تكون الفتوى عند تعذّر استخراج الحكم من النصّ القرآني دون تدبّر، أمّا إذا كان الحكم واضحا، فلا موجب للسؤال عنه أصلا.

مسألة إزهاق الروح نعرفها منذ أن بعث الأنبياء؛ فكل من قتل نفسه فهو في النار. انتهى الأمر الذي فيه تستفتون.


أما الذي يجب تسليط الضوء عليه هو توجيه الأسئلة إلى هذه الفئات من المجتمع العربي، التي تريد أن تموت وتزهق أرواحها أو أنها انتحرت.

لماذا تصل نفس إنسانية إلى هذا الحدّ الذي يدفعها إلى أن ترى الانتحار مخرجا؟

بدل أن نحاصر الحدث بأحكام فصل فيها القرآن منذ أكثر من ألف سنة، ينبغي أن نطرح أسئلة أعمق؛

على ماذا انتحروا؟ وما الدوافع التي جعلتهم يقدمون على هذا الفعل المحرّم؟ أين مسؤولية المحيطين بهم: أسرة، جيرانا وسلطات ومجتمعا، وخطابا دينيا لأئمة الأزهر والوزرات والإعلام.

فبدل أن يكون السؤال "ما حكمها؟"

"هل هو حلال أم حرام"، أو " المنتحر كافر أم ليس بكافر".


سنطرح هذه الأسئلة على التي أنهت حياتها، كشفا للحقيقة ولنعرف السبب على وجه الدقّة؛


هل أنهيتِ حياتك تقرّبا إلى الله، أو نصرة لرسوله، أو دفاعا عن دينه؟ لا.

هل فعلتِ ذلك لأنك ارتكبتِ فاحشة أو معصية فعجزتِ عن التوبة، فاخترتِ إزهاق روحك؟ لا...لا..لم تفكر في هذا الأمر على وجه الأهمية.

هل أنهيتِ حياتك لأن الأقصى يُدنّسه الإسرائليين الصهاينة، أو لأن الأرض المقدّسة تغتصب عمدا وأمام الإعلام العالمي والمسلمون يتفرّجون ولا ينصرون أمة تُذلّ بأبشع طرق التعذيب والقمع؟ لا، لم تفكر في ذلك..لا...

هل فعلتِ ذلك حين امتلأت الأرض بمئات آلاف الضحايا، تحت الركام، أو بسبب انتشار جثثهم في طرقات اللجوء وتبعثر أشلاؤهم، أو مشاهد الذبح والتنكيل أو في سبيل الذين في السجون قابعين بالآلاف أطفالا ونساء ورجال؟ لا. أبدا لا...

هل أنهيتِ حياتك لأنك قصّرتِ في عبادتك، أو فرّطتِ في صلاتك، أو ظلمتِ غيرك، أو أكلتِ حقا في الميراث ليس لك؟ لا، مطلقا لا..

هل فعلتِ ذلك لأنك خنتِ أمانة، أو شهدت زورا على إنسان مظلوم، أو دمّرتِ حياة غيرك بعمل الأسحار والتحريض أو سرقت ما ليس لك به حقّ أو غششت في شيء، فغدوت لا تنتمين إلى أمّة محمد، فأردتِ التكفير بهذا الفعل المحرّم؟ لا. لا ... ليس هذا قطعا.

أم أنك ترين أن كلّ تلك القضايا الكبرى لم تكن كافية لتدفعك إلى هذا القرار، بينما دفعتك إليه مشكلات داخل بيتك؟

هل أنهيتِ حياتك لأنك لم تتزوجي، أو لأنك بلا أسرة أو مأوى؟ لا، بل تزوجتِ، ولديك أطفال.

هل كان جسدك ناقصا، أو صحتك منعدمة تماما؟ هل افتقدتِ عينا أو سمعا، أو عجز قلبك عن النبض أو فقدت عقلك أو بترت أطرافك أو خلقت برأس مقطوع ؟ لا، لم ينقصك شيء.

إذا… لأيّ سبب كان هذا القرار؟

هل لأنك بلا مأوى وملقاة في الشارع تأكلين التراب والحشيش وتشىربين ماء الراكد كما اخوانك الفلسطينيين؟ لا... لا..حتى هذا لا.

هل لأنك وحيدة لا عائلة لك، ولا صوت طفل يسمعك؟ لا، لديك طفلتين في أمس الحاجة لأمهم في وقت ينذر بآخر الزمان.

هل لأنك حُرمتِ من التعليم، أو أُغلقت في وجهك سُبل العمل والحياة؟ لا.


وها أنتم قد تركتم ماله علاقة بالدين وعظيم وليس بالهيّن، وانتقلتم إلى ما هو دنيوي؛

الآن نريد أن نسأل هؤلاء الناس من هذا المنظور؛ ونحكم على الذي يقتل نفسه من المجتمعات العربية التقليدية؛ أ هو كافر أم مسلم، أم منافق، أم مريض نفسي؟

هذه مسألة أكثر مأساوية من ناحية الكفر؛ لماذا؟ 

لأن المنتحرة لم تفعل ذلك لأجل الله أو دفعا لغضبه، او اعتكفت وزهدت في الدنيا وصلّت وصامت، حتى شعرت بسكرات الموت تتصعّد من أعماقها إلى أن أزهقت روحها، ولا لنصرة رسول الله وسنّته غضبت بشدّة وبكيت بحرقة لسنوات طوال ولا حزنت على آل بيته وذريّته التي قتلت، ولا الدين الذي يهان كان سببا لقرارها ولا انتفضت لأجل كلام الله الذي يدنّس أو يحرق.


وإنما الدنيا كانت معها يسيرة، بل إن كثيرا مما يتمناه غيرها كان بين يديها متوفّر. فلا ينقص هذه الفئات من الناس شيء، ومع ذلك يقتلون أنفسهم.

إذن… أنهت حياتها بسبب مشكلات، أيّا كان حجمها سواء كانت ضغوط يومية، أو أزمات عابرة، جعلت منها سببا تنهي به كل شيء، كما يعيشها كل الموطنين في المجتمعات؛ عربية مسلمة كانت أو غربية. فهي من اختارت أن تهوي بنفسها من ذروة الحياة إلى قاع الفناء، كأنها شهاب رجمت به شياطين نفسها.


لكن دعونا نواجه أنفسنا بالسؤال الحقيقي؛

ما الذي يجعل إنسانا مسلما يختار هذا الطريق؟ وأيّ ميزان هذا الذي يضخّم له بعض الآلام حتى تبدو إزهاق الروح عليه مشروعا ومبرّرا، وإن فقدها باتت النهاية لكل شيء ممكنة وجائزة؟ أو لنطرح أسئلة افتراضية أخرى من زاوية مغايرة؛

هل سمعتم يوما أن مسلما بكى بكاء شديدا لأنه زنا بمحارمه؟ لا.

هل سمعتم يوما أن مسلما بكى بحرقة لأنه أكل ميراث أخته أو أخيه بغير وجه حقّ، بتزوير الأوراق ؟ لا.

هل رأيتم أو سمعتم من انهار وبكى حدّ الاختناق وهو في صلاته يقطّع نفسه، لأنه ارتكب معصية أو خطيئة بحقّ الله؟ لا.

هل سمعتم يوما أن المسلمين يجلدون أنفسهم لأنهم صاروا شواذا، أو لأنهم يرقصون ويغنون ويمارسون المجون؟

هل رأيتم أو سمعتم يوما إنسانا مسلما مزّقه الندم، لأنه ظلم أقرب الناس إليه؟ لا.

هل سمعتم يوما مسلما يبكي لأنه قدّم رشوة، أو شهد زورا، أو حكم بغير عدل على أخيه المسلم حتى زجّ به في السجون ظلما؟ لا أحد منهم فعل ذلك.

بل تجدهم يقتلون أنفسهم لأنهم ملعونون.


إنه خلل في الميزان لدى المسلم الذي يرجو شفاعة محمد الرسول؛ ميزان يهوّن من الكبائر والقضايا الكبرى،

ويعظّم الصغار؛ من الضغوط حتى تبدو كأنها نهاية الطريق.


إذن، لماذا يبكي المسلمون؟


يكاد لا يرى مسلم يبكي على الكبائر التي تعجّ بها المجالس، بينما تراق الدموع على عذرية امراة حين لا يجدونها، كأنها آخر ما تبقى من الدين.


هل لدى المسلمين عذرية الأفكار، أم عذرية الأخلاق، أم عذرية التديّن، أم عذرية الصلاة، أم عذرية الصيام؟


ما مفهوم العذرية في اللغة العربية؟


العذرية هي الشيء الذي يكون على الفطرة، نقيّا صافيا لم يمسّ؛ فنقول مثلا؛ هذه كلمة عذراء، أي أنها قيلت لأول مرّة. ونقول هذه صلاة عذراء، أي أدّيت لأول مرّة بهذه الطريقة. ونقول هذه شجرة عذراء، أي تعطي ثمارها لأول مرّة. ونقول أنه رجل عذريّ، أي يجاهد في سبيل الله لأول مرّة.

ما العذرية التي تهمّ هؤلاء المسلمين من الأعراب؟ هل هي حماية المقدّسات؟ لا.

يقال أنّ لا شرف لأمة تستباح عذريتها، أي تنتهك أراضيها.


عذرية واحدة فقط تهمّ المسلمين الأعراب، أما بقية العذريات فلا؛ إنها العذرية التي بين الفخذين.

فبات تقديس الأمور الجنسية على حساب الأمور الإنسانية والدينية أمر مفروغ منه، فهل يعقل أن يكون غياب غشاء البكارة عند انثى أثقل في ميزان الأمة من دماء فلسطين؟


ما مدى استعداد بعض الناس لارتكاب أبشع الجرائم، في سبيل وهم اسمه “العذرية”؟ إلى أيّ حدّ يمكن أن يقدّم هذا المفهوم على الدين، والأخلاق، والإنسانية وكلّ شيء؟


نجد من يزعم التديّن، لكن حين يتعلّق الأمر بهوس العذرية الجنسية، يكون مستعدا لانتهاك كل القيم؛

يظلم، ويؤذي، ويعتدي، ويهدّم أسرة، ويكسر مجتمعا كاملا… كل ذلك من أجل تصوّر ضيّق للشرف، محصور في الجسد، بين الأرجل.

 هو مستعد أن يعصي الله، ويدوس على دين الله وتعاليمه وسنّة رسوله. مستعدّ أن يزني بمحارمه؛ أمه وأخته وأبيه وبنيه. حتى إننا نسمع، أن هناك حالات مرضية مسجّلة في ملفّات الطبّ الشرعي وعلم النفس الجنائي في عدة دول عربية تسير وفق ثقافات تقدّس العذرية وتجعل منها هاجسا، حيث يرتكب الابن جريمة اغتصاب أمه أو أخته، ويكون الدافع هو «إثبات الرجولة» أو «كسر الحاجز» أو «أن يكون أول من يفعلها» وهذا في ميزانه المتطرف والمعوجّ.


لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبلَكُم شِبرًا بشِبرٍ، وذِراعًا بذِراعٍ، حتَّى لو سَلَكوا جُحرَ ضَبٍّ لَسَلَكتُموه، قُلنا: يا رَسولَ اللهِ، اليَهودَ والنَّصارى؟ قال: فمَن؟.


تجد أن هذا الذي يسمّي نفسه مسلما مستعدّ، لأجل أن يحصل على تلك العذرية التي في رأسه فقط، أن يمسك بطفل أو طفلة لا تزال ملفوفة بالقماط ويهتك عرضها. وأن يدوس على الشرف، والمبادئ، والأخلاق، والقيم، والعائلة، والمجتمع، والقضاء، والأمن، وحتى أمّه، ويتجاوز كل الحدود لأجل الحصول على عذرية ما بين الفخذين التي يريد.


هل رأيتم أو سمعتم عن أعرابيّ مسلم بكى وشعر بالذنب وتألّم لأنه انتهك عذرية شخص بريء، أو أمّه أو أبيه؟ وسمّيتها "عذرية" لأنها المرّة الأولى التي يلامس فيها أحدا. 

لا. بل بالعكس، إذا لم يحصل عليها، فهو مستعدّ أن يدوس على كلّ شيء.


،؛، يبكون على شؤون الدنيا، ولا يبكون على الآخرة، ولا لربّهم، ولا لرسولهم، ولا لمقدّساتهم، ولا حتى لشرفهم؛ حتى غدا كلّ شيء عندهم مهانا.،؛،

لكن التي إذا قال لها زوجها كلمة لم ترضها، أنهت حياتها. والزوج إذا وجد زوجته الفاجرة قد خانته وفعلت فاحشة الزنى، اندفع إلى قتلها ثم قتل نفسه.


فلماذا لا تتوجّه هذه الحدّة إلى الإسرائيلي الصهيوني الذي ينتهك المقدّسات ويعتدي عليها من كلّ الأبواب؟

لماذا يستسهل الغضب والعنف والقتل بين العائلات بكثرة، بينما يغيب أمام القضايا الأوسع والأخطر؟

لماذا لا تنفقون أموالكم في سبيل الله كما تنفقونها في الشهوات ونزوات ما بين الفخذين، فروجا وأدبارا؟


نسمع عن زوج يلفّ حبل المشنقة على رقبة زوجته ليلة عرسها لأنها لم تكن عذراء، فيقتلها بدم بارد، ولا نراه يوجّه هذا الغضب نفسه نحو الإسرائيلي الصهيوني الذي يتعدى على شرف مقدّساته؛

أفليس العِرض واحدا، سواء كان للأرض أم للجسد؟

ولماذا يفرغ سلاحه في رجل سرق ماله، أو يطعن امرأة طعنات متتالية بدافع غضبه على خيانتها له،

ثم لا يتحرّك بالحدّة نفسها تجاه من سرق ماله واستحلّ أعراض النساء الفلسطينيات وانتزع الجلود من على العظم واقتلع العيون والأعضاء من أجسادهم؟ أليس في هذا كلّه خلل صارخ في ترتيب الأولويات.

هل الجهاد في سبيل الله لتحرير الأرض ودفع الاحتلال الصهيوني أصعب من قتل زوجة خائنة؟

لماذا تبذل أعظم التضحيات في أصغر القضايا، كـ"عذرية الجسد"،

وتمنع حين يتعلّق الأمر بأعظم القضايا، كالأرض والمقدّسات؟

ها هي الأوطان تنتهك وتسلب كرامتها،

أم أنّ عذرية الجسد صارت عندهم أرفع وأثمن من شرف الأرض والدين؟

لقد جعلت الثقافة العربية المعاصرة من "العذرية" قيمة عليا تتقدّم على سائر القيم، المبادئ والأخلاق...،

حتى صار بعض الناس، تحت وطأتها، مستعدّا لارتكاب الجرائم باسم "الشرف".

نرى من يندفع إلى أقصى درجات التهوّر بارتكاب ما حرّمه الله ورسوله ويرمي بنفسه من ناطحات السحاب بسبب خيانة زوجية، ولا يتحرّكون بالقدر نفسه أمام عريّ نساءهم وبناتهم في الشوارع أو يثورون ضد فاحشة الشذوذ التي تسري بلا هوادة، وزنا المحارم الذي لا يتوقف.

لم نسمع عمّن ضحّى بنفسه غيرة على دينه، أو حزنا على كتاب ربّه،

أو نصرة لمقدّساته،

إنها مفارقة صارخة؛ سجونٌ تمتلئ بضحايا "ثقافة العار"،

لا بمدافعين عن دين الإسلام.

يموتون ويحيون على مفهوم ضيّق للشرف اختصروه في عذرية الفرج.


،؛، العذرية الجسدية… عليها يحيا المسلمون أغلبهم وعليها يموتون؛ إن وجدت العذرية قال هؤلاء أنهم رجال بالفعل، وإن غابت سقطت عنهم الرجولة.،؛،

نسمع بين فترة وأخرى عن رجل يفصل رأس زوجته عن جسدها ويرميه عند أهلها بدعوى أنها لم تكن عذراء، ثم يفاخر بفعلته كأنه أقام عدلا، لكننا لا نراه يخرج مجاهدا إلى فلسطين ويصبّ جلّ هذا الغضب في الإسرائيلي ويقطع رأسه ويرميه إلى إخوانه، انتقاما من الذين ينتهكون المقدس، ويحتلّون الأرض!!

 

هناك فجوة هائلة تكشف خللا عميقا؛بالنسبة له فلينتهكوا الأقصى ويغتصبوه ليلا ونهارا والأمر عادي، أما ما يريده هو؛ أن يغتصب البريئة ويفسد عذريتها، حتى وإن كانت أخته أو ابنته، فعذرية الجسد أغلى وأثمن. إن وجد شريكته غير عذراء فهو مستعد أن يقتلها. 

العذرية بالنسبة له؛ أن يكون أول من يمزّق شرف الطفل أو عرض ابنة أخيه أو أيا كان من يكون، المهم أنه هو الأول من ينتهك تلك العذرية.


فما معنى أن تطلب “العذرية”؟

العذرية هي كلّ شيء بريئ، ما هي البراءة ؟ 

هي كل ماهو طاهر ونقيّ، يعني أنه يريد أن يكون الأول من يضع على الطهارة "ختم النجاسة والقذارة". 


إذن... هم يبحثون عن النقاء ليفسدوه ويدنّسوه.

وليس أنه يحبها ولديه أخلاق ويريدها في دين الله وعلى سنة رسوله، فكما دنّس الصهيوني كلّ مقدّس، هم أيضا لم يجدوا شيئا ليتجبّروا ويستقوون عليه غير تلك العذرية الجسدية. 

لو كان هذا الفهم صادقا في ادّعائه،

لرأيناهم يحافظون على شرف الجيران واخوانهم في دين الله، وصونا لحقوق الناس، وعدلا في التعامل، لا أن نسمع يوميا عن آلاف الضحايا تنتهك حقوقهم، ثم يتركون لمصير قاس أو يقضى عليهم.

 أما الذين يندفعون إلى إنهاء حياتهم تحت ضغط هذه الثقافة، لو قتلوا أنفسهم من أجل بارئهم، أو جهادا في سبيله أو من أجل رسوله لكان أفضل لهم. 


بما أنكم تريدون أن تقتلوا أنفسكم لماذا لا تذهبون إلى الأرض المقدّسة وتنسفوا وتقتلوا معكم أعداء الله؟


﴿فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾.

 

المسلمون يقتلون أنفسهم لأجل الميراث، نعم يفعلون ذلك ليحصلوا على المال، وبالمال يشترون الشهوات والعذريات. لماذا يريدون المناصب العليا؟ لأنهم يريدون الحصول على المال؟ وماذا بعد المال؟ ليشترون به العذريات. هذا ما يفكر فيه حكّامهم وكبراءهم؛ يأخذون الأموال ويستهدفون بها براءة الأطفال، سواء كانوا ذكورا أو إناثا، لينجّسوا عذريتها ويدنّسوا فطرة الله. فمن لم يمت في سبيل الله، مات في سبيل الدنيا، وما الدنيا؟ الدنيا كلّها شهوات.


من الغباء أن ترى من تنهي حياتها لأن شريكها خانها مع غيرها،

هذا يكشف خللا في ميزان تفكيرهم.

فهل العقل الذي كرّمه الله يفكر هكذا؟ 

لم تقتل نفسها لأن أكثر من مئة ألف طفل قتلوا في فلسطين. قتلت نفسها لأن عضوه الذكري استحلّ فرج غيرها.

صادم؟ نعم. الناس يريدون زخرف القول، ولكن نحن لن نزخرف لهم القول.

انظروا إلى البطولة والشهامة والفروسية عند من يفتحون سراويلهم في كل مكان؛

غايتهم القصوى أن يجدوا فجوة يحشرون فيها قواضيبهم، ذلك مبتغاهم. فإن لم يجدوها كما يريدون، طيّروا الرؤوس، ورموا بأنفسهم من فوق السحاب.

ها هو الأعرابي يطيّر الرأس لأن عضوه الذكري انحشر في فرج سبقه إليه غيره.

هذه المسائل من المفترض حلّها بسيط: إذا وجدتها غير عذراء؟ طلّقها، خذها إلى أهلها، وتزوج غيرها، وأخبر الناس أن شرفها منتهك.

اكتشفتِ أنه خانك وعضوه الذكري مع امراة أخرى؟ اطلبي الطلاق، وتزوجي غيره، وانتهى الأمر.


  هذه المسائل لا تستحق أن ترفع إلى مقام “المصير” ، ولا أن يضحّى من أجلها بما هو أعظم؛ الدين، والعدل، والإنسانية.

لكنهم جعلوها أغلى من كل شيء. مستعدون أن يموتوا من أجلها، ولا يموتون في سبيل المسائل الكبرى.


اسأل أحدهم؛ أتريد المصحف أم العذرية؟وسام الشرف أم العذرية؟ تحرير الأقصى أم تحرير عذرية؟ جميع أموالك في سبيل الله أم في سبيل عذرية؟

وأسمعوا ماذا سيجيبكم؟


آلاف العذارى أخذوهم. ثم تركوهم أسرى في البيوت، وخرجوا يبحثون عن عذارى أخريات ليفسدوهن. إذا كانت العذرية تهمّهم حقا، لقالوا: "نكتفي بواحدة". لكنهم لا يريدون العذرية الواحدة. يريدون تنجيس البراءة.

الشرف عندهم هو حصر العضو الذكري في جوف العذرية. والرجولة هي لما تنجّس البراءة.


،؛، وعليه أقول لكم؛

ميزان المسلم اليوم: في هتك العذرية فهي أغلى عنده من سفك دماء الأطفال الفلسطينين، وأغلى من دين الإسلام، وأغلى من كتاب الله وحاشاه أن يصل إليه بتفكيره الملتوي والجنسي المتطرّف.،؛،


فلا تقتلي نفسك أيّتها المرأة نتيجة خيانة الزوج للعذرية.

تعليقات